الاستقامة مصطلح ورد في النصوص الشرعية، وهو في اللغة لا يبعد كثيرا عن المضامين الشرعية، فهو يدل على معنى الاعتدال والاستواء، يقال "استقام العود واستقام الطريق واستقام الميزان" أي اعتدل ولم يعد فيه ميل أو اعوجاج، ويدل أيضا على معنى الاستمرار والثبات، والمضي في اتجاه واحد دون انحراف، يقال "استقام على الأمر" أي استمر وثبت عليه، ويحمل معنى آخر وهو الانتظام والانسجام، والتوافق في الشيء. يقال "استقام الأمر" أي انتظم وسار على وتيرة واحدة.
وبهذا نفهم أن الاستقامة ليست مجرد حالة عابرة أو عرض وجداني مؤقت، بل هي صفة ملازمة للمسلم الحق في جميع والأزمان والأماكن والأحوال والموضوعات، وهذا بيان لهذه الكلمات الأربع؛ حتى يستبين المقصود، وتظهر معالم الاستقامة التي يريدها الله من المسلم.
أولا: الاستقامة في عموم الأزمان:
قد يكون المسلم أشد اجتهادا في الأزمنة والمواسم الفاضلة، ولكن ذلك لا يعني أن يكون مستقيما في زمن دون زمن، فلا يستقيم في رمضان وينحرف سيره بعد رمضان، ولا في زمن الحج دون غيره، بل إن الاستقامة الحقة عابرة الزمن، ولا تتوقف إلا بتوقف الأنفاس كما قال رب العزة: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وهو الموت.
فاستقامة المسلم ليلا ونهارا، وصيفا وشتاء، فالاستقامة خطة حياة، يتغلب فيها المسلم على كل تغيرات الزمن، وتقلب الليل والنهار، ولا يزيده مرور الوقت إلا ثباتا ولزوما وتمسكا بالاستقامة.
ثانيا: الاستقامة في عموم الأماكن:
فالاستقامة ليس لها حدود جغرافية، ولا أماكن تختص بها، بل تعني الاستقامة في كل مكان، كما أشار إلى ذلك النص النبوي: "اتق الله حيثما كنت"، فالمسلم كان في السماء أو الأرض، كان في البر أو البحر، أو كان في حدود وطنه أو خارجها، كان في الحل أو الحرم، في المسجد أو البيت أو الشارع أو العمل، فهو لا يتغير التزامه ولا يتخلى عن استقامته؛ لأنه يعلم أنه تحت سمع الله وبصره وإحاطة علمه، لأن البعض قد يكون مستقيما في مكان دون مكان فإذا كان في مكة على سبيل المثال التزم الفرائض واجتنب المحرمات، فإذا رجع منها تغير حاله، وانفك رباطه، فهذه لا تعد استقامة، بل هي حالة وجدانية عارضة لأجل المكان وليست لأجل الله، ولو كانت لأجل الله لما انتقضت، فالأرض كلها لله، والحرام وإن كان في مكة أشد إثما لكنه يبقى حراما في الأرض كلها، ومثله من يجتنب الحرام مادام في حدود بلده التي يعرفه الناس بها، فإذا سافر لبلد لا يعرفه أهله فعل الحرام دون خوف ولا خجل، فهذا يدل على ضعف استقامته وثباته.
ثالثا: الاستقامة في عموم الأحوال:
من سنن الله التي أمضاها أن الإنسان لا يبقى على حال واحدة، فهو يتقلب بين فقر وغنى، ومرض وعافية، وسراء وضراء، وسفر وإقامة، وعسر ويسر، ومنشط ومكره، وهو في ذلك كله مستقيم على أمر الله، ملتزم بما يناسب الحال، فيصبر ويشكر، ويدعو رغبا ورهبا، وسرا وعلانية، ويتعرف إلى ربه في الرخاء كما في الشدة، وغير المستقيم من تغيره الأحوال وتصرفه الغِيَر، كما قال الله تعالى عن حال بعضهم: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يونس: 12. فقد يستقيم البعض في حال مرضه وبلائه، فإذا كُشف عنه الضر ترك الاستقامة، كما قال تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) الزمر: 8.
وقد يستقيم الطالب في فترة الامتحانات لحاجته الشديدة إلى عون الله وتوفيقه فإذا ظفر بالنجاح ترك الصلوات وفعل المحرمات، فهذا حال من لم يعرف الاستقامة التي يريدها الله تعالى، وقد يستقيم الفقير حال فقره فإذا أصابه الغنى استغنى عن الله، وأعرض عن شكره، كما قال تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) فصلت: 51. فتغيرات الأحوال، وتقلبات الظروف من أعظم ما يمتحن الله بها استقامة العبد، ولو شاء الله لجعل الحال واحدا، ولكنه يستخرج ما في قلوب عباده من عبودية الصبر والشكر، والرغبة والرهبة.
رابعا: الاستقامة في عموم الموضوعات:
الإسلام عقيدة وإيمان، وعبادة ومعاملة، ونكاح وطلاق، وأخلاق وآداب، وظاهر وباطن، وأقوال وأفعال، وأطعمة وأشربة، ولباس وزينة، وجهاد ونية، وعلم ودعوة، وسياسة واقتصاد، واعلام وتعليم، والاستقامة تعني التمسك بتعاليم الإسلام في ذلك كله، ولا يعد مستقيما من تمسك ببعضها وترك واحدا منها فقد يستقيم في أداء الشعائر ويختل في أداء الحقوق، وقد يكون ملتزما في النكاح لكنه يفجر في الطلاق، وقد يستقيم ظاهره ويفسد باطنه، وقد تستقيم أقواله وتنحرف أفعاله، والاستقامة المرادة لله هي ما كانت في كل هذه الموضوعات، فيستقيم المسلم في عباداته ومعاملاته، فلله عبودية في معاملة الخلق لا تقل عن الشعائر والفرائض الخاصة، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
ومعينات الاستقامة كثيرة أهمها:
مجلس علم يكشف للمسلم الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والهدى من الضلال، فالعلم كلما ازداد منه المسلم قويت استقامته، وثبتت قدمه على الطريق الصحيح، وضعفت أمامه الموانع والقواطع.
ومجلس ذكر يتطهر به قلب المسلم، وتقوى به صلته، ويتجدد به عهده، فالذكر من أعظم ما يستعين به العبد على ثبات قلبه، وطمأنينة نفسه، إذ به يتخلص من داء الغفلة، ومرض القسوة.
وجليس صالح يعينه إذا فتر، ويذكِّره إذا نسي، وينبِّهه إذا غفل، ويثبِّته إذا افتتن، فأعوان الخير ورفقاء الطريق إذا ظفر بهم العبد استمسك بهم فهم قليل في الناس، وأثرهم كبير على دوام الاستقامة والمضي في طريقها.
المقالات

