منذ أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وهو يدعو إلى ربه وإلى توحيده وإلى طاعته، فما زال كذلك حتى أتم الله به النعمة، وأكمل به الدين، وأرسى أوتاده، وأحكم أطنابه، فما مضى صلى الله عليه وسلم إلى ربه إلا بعد إقامته الحجة، وبيان المحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، والنصيحة لسائر الأمة، فقد روى الإمام أحمد والترمذي عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ)، وَقَالَ: (مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَمَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ).
ومما علَّم رسولُ الله أمته أن دين الله تعالى يقوم على أمرين: شهادة ألا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. وهو توحيد المعبود وتوحيد المتبوع، أو توحيد المرسِل وتوحيد المرسَل، ألا يُعبد إلا اللهُ، وألا يُعبد إلا بما شرع.
وعلمنا أيضا أن العبادة أيضا قيامها على ركنين: إخلاص ومتابعة. إخلاص العمل لله، وأن يكون على حسب ما شرع رسوله صلوات الله عليه وسلامه، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]، وقال: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك:3].. قال الفضيل بن عياض - رحمه الله - {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، قال: "أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا، لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة". فالعابد لابد أن يتوفر في عبادته هذان الركنان: أن يريد بعبادته وجه الله، وأن يكون متابعا فيها لرسول الله.
الرياء يفسد العمل
فمن تعبد الله بعبادة مشروعة مسنونة ـ كصلاة وصيام وصدقة وحج وذكر وجهاد، او صلة رحم أو إطعام مساكين، أو أي وجه من وجوه الإحسان ـ لكنه لم يرد بها وجه الله، وإنما قصد الرياء والسمعة، أو تعظيم الناس له، أو حسن الذكر بينهم، أو أي غرض غير رضا الله، فعبادته مردودة عليه غير مقبولة منه؛ وقد قال سبحانه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}[الشورى:20]. وقال في سورة هود: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وجاء في الحديث القدسي: (أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَهُ)[رواه مسلم]. وفي الحديث الصحيح: (منْ سمَّعَ الناسَ بعملِهِ سمَّعَ اللهُ بهِ سامِعَ خلقِهِ وصغرَهُ وحقرَهُ)، وفي صحيح مسلم: (مَن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ به، ومَن يُرائِي يُرائِي اللَّهُ بهِ)، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرَّجلُ يُقاتِلٌ حميَّةً ويُقاتِلُ شجاعةً ويُقاتِلُ رياءً فأنَّى ذلك في سبيلِ اللهِ؟ قال: (مَن قاتَل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ اللهِ)[صحيح بن حبان].
وفي حديث أبي هريرة عن الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، العالم والمنفق والشهيد، أنهم عملوا أعمالا شريفة مشروعة، بل هي من أفضل الأعمال وأعلاها، ولكنهم أرادوا بها ثناء الناس ومديحهم، فردها الله عليهم، ولم يقبلها منهم، بل وعاقبهم وجعلهم أول من تسجر بهم النار.
الابتداع يرد العمل
وإذا أخلص العبد في عبادته، وأراد بها وجه ربه الكريم، ولكنها كانت عبادة مبتدعة مخترعة ليست من جنس ما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولا مما كان على هديه وسنته، كان عمله مردودا عليه أيضا غير مقبول عند الله، بالأصل العام الذي رواه البخاري ومسلم عن حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
وكذا من تعبد بأمر مخترع لا دليل عليه كمن يتقرب بترك الكلام، أو الوقوف في الشمس والحر، أو بالرقص ونحو ذلك كان ذلك مردودا عليه، ففي سنن أبي داود: (بينما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطُبُ إذا هو برجُلٍ قائمٍ في الشَّمْسِ، فسأَل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيلَ نذَر أن يقومَ ولا يقعُدَ ولا يستظِلَّ ولا يتكلَّمَ ويصومَ، قال: مُرُوهُ فليتكلَّمْ وليستظِلَّ وليقعُدْ وليُتِمَّ صومَهُ).. فنهاه عن المبتدعات غير المشروعة، وأمره بإتمام الصوم لأنه عبادة يحبها الله ومما شرعه لعباده.
مخالفة مقاصد الشريعة
ومثل هذا ـ أعني المردود على صاحبه ـ التعبدُ بالمشروع إذا كان على صورة تخالف الهديَ النبويَّ ومقاصدَ الشريعة، فهذا أيضا يُمنَع منه ويُنهى عنه.. كما في حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا ولا أنام. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدا ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [متفق عليه].
فلا شك أن القيام والصلاة والصيام من جنس ما يتعبد به ويؤمر به المؤمن ويتقرب به إلى الله، لكن لما خرج عن السنن النبوي والهدي الشرعي، والتزم صاحبه القدر الزائد عن المشروع وترك المباح واعتبر هذا من التقرب والتعبد المحمود، تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنه خروج ورغبة عن السنة إلى خلافها.. (فمن رغب عن سنتي فليس مني).
التعبد بترك الواجبات
أما الذين يتقربون إلى الله بترك الواجبات، كترك الجمع والجماعات، بزعم أنهم في حال مع الله لا يريدون الخروج منها، فهؤلاء ضلال فساق، وقد ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى عن ابن عباس أنهم سألوه غير مرة عمن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ فقال: "هو في النار".
وورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ)[رواه مسلم]، وقال أيضا: (مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ)[صحيح الجامع]. وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند ابن ماجه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ) [صحيح ابن ماجه].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجمعة فريضة باتفاق الأئمة.. والجماعة واجبة عند كثير من العلماء، بل عند أكثر السلف"[مجموع الفتاوى:5/ ].
والواجب على كل مسلم التزام عبادة الله وحده لا شريك له وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، والأمر بذلك لكل أحد، والإنكار على من خرج عنه. فليس أحد تحت أديم السماء يُقَرُّ على خلاف ما جاء به النبي في شريعته.. {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور:63].
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

