الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تأملات فقهية في المفاوضات مع غطفان يوم الأحزاب

تأملات فقهية في المفاوضات مع غطفان يوم الأحزاب

 تأملات فقهية في المفاوضات مع غطفان يوم الأحزاب

كانت معركة الأحزاب كبيرةً في أحداثها وتداعياتها رغم أنه لم يحدث فيها قتال يذكر، فقد حاصر المدينةَ عشرةُ آلاف مقاتل من قريش وغطفان وغيرهم من المشركين واليهود، دام حصارهم قرابة شهر، ووقع المسلمون خلال ذلك في معمعة كبيرة، يكفي في بيان شدتها قول الله تعالى: (هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا) [الأحزاب: 11]. حاول خلالها النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع عن المسلمين هذا الحصار أو يخفف من وطأته عليهم، ولكن الله تعالى قدَّر لهم شيئًا آخر.

أولًا: مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم لغطفان
لـمَّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة جموع الأحزاب وشدة حصارهم على المدينة المنورة؛ همَّ بعمل مناورة مع قبيلة غطفان المشاركة في هذا الحصار؛ باعتبارها قوة كبيرة ليس لها في هذه الحرب ما لقريش واليهود من مآرب؛ علَّ هذه المناورة منه صلى الله عليه وسلم تفرق جموع الأحزاب، أو تعمل على هزيمتهم، فقام صلى الله عليه وسلم بالتواصل مع قائدا غطفان وهما: الحارث بن عوف المري، وعيينة بن حصن، وكلمهما صلى الله عليه وسلم في الرجوع وترك الأحزاب، وأعطاهما ثلث تمر المدينة أو شطره، وقبل أن يُتمَّ صلى الله عليه وسلم الأمر شاور في ذلك قادة الأنصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما؛ فرفضا ذلك.
روى البزار عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً" فقال صلى الله عليه وسلم: "حتى استأمر السعود سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام، فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:
يا حارِ من يغدر بذمة جارهمنكم فإن محمداً لا يغدرُ
إن تغدوا فالغدر من عاداتكم … واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
وأمانة النهدي حيث لقيتها … مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ
قال: فقال الحارث: "كُف عنا يا محمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه".
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد شاطرنا تمر المدينة" فقال صلى الله عليه وسلم: "حتى استأمر السعد، فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة بن مسعود فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يا رسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو ذا تسمعون ما يقولون". قالوا غدرت يا محمد".
فقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
يا حارِ من يغدر بذمة جاره … منكم فإن محمداً لا يغدرُ
وأمانة المري حين لقيتها … كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم … واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
قال ابن كثير: "ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة...؛ فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: "‌ليجهدوا ‌علينا".
ثانيًا: تأملات في المفاوضات مع غطفان
في مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم غطفان يوم الأحزاب دلالات فقهية وسياسية واجتماعية بالغة العمق، نذكر أبرزها في هذا المقال.
1. من الناحية الفقهية: فإن هذه المراوضة منه صلى الله عليه وسلم مع المشركين تدل على جواز عقد صلح مع الكفار؛ إن كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن التنازل عن جزء من ثمار المدينة أو عن بعض أموال المسلمين خيرٌ من هزيمة المسلمين، أو سقوط المدينة بيد المشركين، والشريعة الإسلامية لا تمنع ولي الأمر من ارتكاب أخف الضررين إذا كان فيه حفظ لدماء المسلمين وصيانة لوجودهم. وقد ذكر العلماء جواز ‌مصالحة ‌الكفار إذا كان فيها مصلحة، قال النووي في ذلك: "وهو مجمع عليه عند الحاجة". وأن المفاوضات مع غير المسلمين على الصلح تكون على أمور ومصالح دنيوية مالية أو نحوها، ولا يجوز أن تكون على حساب الدين والعقيدة، فرغم كثرة الشدائد التي تعرض لها المسلمون يوم الأحزاب أو قبلها؛ إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يساوم على العقيدة والدين، بل قال للمشركين كما أمره ربه جل وعلا: (لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون: 6].
2. من الناحية السياسية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع الأزمات بعقلية القائد الحصيف الذي يريد مصلحة أمته، فلم يغلق صلى الله عليه وسلم الباب أمام أي خيار من شأنه أن يحمي أمته، ففاوض غطفان ليس عن ضعف، بل مناورةً ذكيةً منه صلى الله عليه وسلم لإرباك عدوه، وتخفيف ضغطه عن المسلمين، وهكذا ينبغي أن يكون قادة المسلمين مع عدوهم وقت الضعف، والله تعالى يقول: (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ) [الأحزاب: 21].
3. من الناحية الاجتماعية والنفسية: فقد عبر السعدان برفضهما إعطاء غطفان من ثمارهم عن العزة والكرامة التي يجب أن يكون عليها المسلمون حتى وقت ضعفهما، وأن هذه العزة والكرامة لا تُباع بسلامة وقتية عابرة.
تفاوض النبي صلى الله عليه وسلم مع غطفان يوم الأحزاب يضع بين أيدينا قاعدة كبرى في السياسة الشرعية وهي: أن المفاوضات مع الأعداء ليست تنازلات مجانية ولا تصلبًا جامدًا، بل هي مرونة استراتيجية تُبنى على الثبات على المبادئ وتحقيق المصالح.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة