الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النساء:131).

معاشر المؤمنين: روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، فقال: (إن عبداً خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عند ربه، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا! وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا) رواه البخاري.

أيها المسلمون: الموت حقٌّ على كل حيٍّ، فكل من عاش لابد أن يموت، سواء قرب الأجل أم بعد: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن:26-27) حتى الأنبياء والرسل وهم صفوة الله من خلقه، يقول تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر:30) وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء:34-35).

عباد الله: إن مفارقة الأجساد للأرواح لا تقع إلا بعد ألمٍ عظيم، وعناءٍ جسيم تذوقه الروح والجسد جميعاً، فإن الروح قد تعلقت بهذا الجسد وألفته، واشتدت ألفتها له وامتزاجها به ودخولها فيه، حتى صار الروح والجسد شيئاً واحداً، فلا يتفارقان إلا بجهدٍ شديد، وألمٍ عظيم، ولن يذوق ابن آدم في حياته ألماً مثله.

قال الربيع بن خثيم: "أكثروا من ذكر هذا الموت، فإنكم لم تذوقوا قبله مثله".

عباد الله: من تذكر تلك الأحوال والمقامات التي يمر بها العبد إبان خروج روحه؛ أدرك الحكمة من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بقوله: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت) رواه الترمذي .

معاشر المؤمنين: حسبكم من ذكر الموت أن نستعد له قبل نزوله، وأن نقصِّر الآمال، وأن نرضى بالقليل من الرزق، وأن نُقبل على الآخرة، وتهون علينا مصائب الدنيا، فكل مصيبة دون الموت تهون، وإذا عظمت مصيبتنا في وفاة من نُحب، فلنذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عظمت عليه مصيبته، فليذكر مصيبة المسلمين فيَّ).

أجل عباد الله: من اشتدت وعظمت وكبرت مصيبته على نفسه، فليذكر أعظم مصيبة فُجعت بها أمة الإسلام، بموت نبيها صلى الله عليه وسلم.

لما أنزل الله جل وعلا قوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (النصر:1-3) عَلِم صلى الله عليه وسلم باقتراب أجله.

وعندما خطب الناس في حجة الوداع قال لهم: (لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) رواه مسلم، وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع.

ولما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس في طريق بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: (أيها الناس! إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب) رواه أحمد.

ولما بدأ به صلى الله عليه وسلم مرض الموت خرج إلى أصحابه في المسجد، وهو معصوب الرأس، فقام على المنبر، وقال: (إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة) ثم هبط عن المنبر، فما رُؤي على المنبر بعد ذلك) رواه أحمد.

وعن أبي مويهبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة إلى البقيع، فاستغفر لأهل البقيع، وقال: ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، ثم قال: (يا أبا مويهبة! إني قد أُعطيت خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة، فخيِّرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي والجنة) ثم انصرف وابتدأه وجعه الذي قُبض فيه). رواه أحمد.

ثم إن الحمى اشتدت به صلى الله عليه وسلم في مرضه، فكان يجلس في مخضب، ويُصب عليه، يتبرد بذلك من شدة الحمى، وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال: (إنَّا كذلك يُشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر) وقال: (إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه.

ومن شدة وجعه كان يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وحصل له ذلك غير مرة، فأغمي عليه مرة، وظنوا أن وجعه ذات الجنب، فلما أفاق أنكر ذلك، وقال: (إن الله لم يكن ليسلطها علي ولكنه من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر) رواه أحمد، أي: من سُمِّ الشاة التي أهدتها اليهودية له، فأكل منها يومئذ، فكان ذلك يثور عليه أحياناً، فقال في مرض موته: (ما زالت أكلة خيبر تعاودني؛ فهذا أوان انقطاع أبهري) رواه البزار.

وكان ابن مسعود وغيره يقولون: "إنه صلى الله عليه وسلم مات شهيداً من السم". وقالت عائشة رضي الله عنه: "ما رأيت أحداً كان أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وكان عنده في موته سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها، ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفه وقال: (ما ظن محمد بربه لو لقي الله) رواه أحمد، وأَمَر عائشة بالتصدق بها.

فلما احتضر صلى الله عليه وسلم، اشتد به الأمر فقالت عائشة: (ما أغبط أحداً يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عنده قدح من ماء يدخل يده صلى الله عليه وسلم في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، يقول: اللهم أعني على سكرات الموت، قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) رواه الطبراني في "المعجم الكبير".

ولما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: (واكرب أبتاه، فقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم) رواه ابن ماجه.

وعن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخَيَّر) فلما نزل به الموت ورأسه على فخذي، غُشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، وقال: (اللهم الرفيق الأعلى) قالت: فعلمتُ أنه لا يختارنا) رواه أحمد.

وفي ذلك اليوم الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم، وقبل موته كَشَف الستر عن أصحابه، وهم يُصلُّون خلف أبي بكر، فكاد المسلمون أن يفتتنوا من فرحتهم برؤية نبيهم صلى الله عليه وسلم حين نظروا إلى وجهه، وظنوا أنه يخرج للصلاة، فأشار إليهم أن مكانكم، وأرخى الستر، وتوفي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، وظن المسلمون أنه صلى الله عليه وسلم قد برئ من مرضه، لما أصبح يوم الاثنين مفيقاً.

ولما علم المسلمون بوفاته صلى الله عليه وسلم منهم، وبلغ الخبر أبا بكر، فأقبل مسرعاً حتى دخل بيت عائشة، والنبي صلى الله عليه وسلم مسجَّى، فكشف الثوب عن وجهه، وأكبَّ عليه، وقبَّل جبهته مراراً، وهو يبكي، ويقول: "وانبياه...واخليلاه...واصفيَّاه، إنا لله وإنا إليه راجعون".

ثم قام ودخل المسجد، وعمر يكلم الناس، فتكلم أبو بكر وتشهَّد وحمد الله، فأقبل الناس على أبي بكر، وتركوا عمر، فقال: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران:144).

أقول ما سمعتم...وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد، ونشهد أن لا إله إلا الله الفرد الصمد، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

عباد الله: عليكم بتقوى الله في السر والعلن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102).

أيها المسلمون: سمعتم عن وفاة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما تغشاه من الكرب والآلام، وهو أفضل من وطئت قدمه على الأرض، ومع ذلك كان يلاقي ويعاني من سكرات الموت، ويضع يده في كوب فيه ماء بارد، ويمسح على وجهه ويقول: (اللهم أعني على سكرات الموت). فهل بعد ذلك يرجو أحد تخفيفاً فيها إلا من تداركه الله برحمته؟

وهل يظن أحد أنه سيكون أهون ألماً في وفاته من وفاة أفضل الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلق أجمعين؟

معاشر المؤمنين: استعدوا لما أنتم قادمون إليه، فإن الموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً، إن بعض الناس حين يسمعون الموعظة أو شيئاً عن الموت، فإنهم يتوجهون بذلك إلى كبار السن، يظنون بذلك أن الحديث موجه لمن ابيضت لحاهم من الشيب، واشتعلت رءوسهم شيباً!

عباد الله: إن الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، إن الموت لا يعرف عزيزاً أو حقيراً، إنما هي آجال يقسمها الله جل وعلا: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف:34).

معاشر المسلمين: أعدوا للموت عدته. واستعدوا لذلك ولا تضيعوا أوقاتكم بالغفلة واللهو، واجعلوا الموت أمام أعينكم.

إن الموت قاطع اللذات، وإن الموت ليشخص للإنسان في أعظم لذة، فيكدرها عليه؛ لكي لا يأنس الإنسان بهذه اللذة، وليعلم أنها منقطعة، ويعلم أن اللذة والنعيم في الخلود والنعيم المقيم، فيشتاق إلى نعيم لا ينقطع، وإلى خلود لا موت فيه.

ألا وصلُّوا على نبيكم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة