الخطبة الأولى
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أسرى به ربه ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
أيها المؤمنون: هل فكرتم يوماً في معنى أن تُجبَر القلوب الكسيرة؟ هل تخيلتم لحظة التحول من أشدّ الضيق والأذى إلى أسمى مراتب التكريم والاصطفاء؟
إننا اليوم نقف أمام ذكرى معجزة كبرى، ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهاج حياة، وتثبيت قلوب، وتغيير موازين. إنها ليلةٌ طويت فيها المسافات، وخُرقت فيها العادات، وشُقّت فيها السماوات، ليلةٌ شهدت فيها البشرية أعظم رحلة عرفها تاريخ الإنسانية: إنها رحلة الإسراء والمعراج.
فتعالوا بنا نستعرض تفاصيل هذه الرحلة، ونجني من ثمارها العبر والدروس التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.
عن أنس بن مالك، أن مالك بن صعصعة حدثهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدثهم عن ليلة الإسراء قال: (بينا أنا نائم في الحطيم -وربما قال: في الحجر- إذ أتاني آت فشق -وربما قال: فقد- ما بين هذه إلى هذه". -يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته-.
قال: فاستخرج قلبي فغسله بماء زمزم، وأتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت إذا فيها آدم، قال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد علي قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصنا: إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، فقال: هذا عيسى ويحيى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا وقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت: إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
قال: ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت: إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد علي وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت: إذا هارون، قال: سلم عليه، فسلمت عليه، فرد علي وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت: إذا موسى، قال: هذا أخوك موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد علي وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما جاوزته بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.
ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت: إذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، وقال: مرحبا بالابن الصالح والأخ الصالح.
ثم رفعت في سدرة المنتهى، فإذا هو يخرج من تحتها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات".
قال: "ثم رفع إلي البيت المعمور قال: "البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه".
قال: ثم أتيت وإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك".
قال: "ثم فرضت الصلاة خمسون صلاة في كل يوم، قال: فرجعت فمررت بموسى، فقال: ما أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إني عالجت بني إسرائيل قبلك، وإن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرا، قال: فرجعت إلى موسى قال: بما أمرت؟ قلت: امرت بأربعين صلاة، قال: إني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرا، .... -فما زال يراجع بين موسى وربه- قال: فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات. قال: إن أمتك لا تطيق خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: قلت: قد سألت ربي حتى قد استحييت ولكن أرضى وأسلم".
قال: "فلما نفذت ناداني [مناد]: إني قد أنفذت فريضتي وخففت عن عبادي). رواه مسلم.
عباد الله: تلك الرحلة التي تبدأ بسورة كريمة في كتاب الله، تُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
لقد جاءت هذه المعجزة الخارقة بعد عام الحزن؛ حيث فقد النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب الذي كان سنده الخارجي، وزوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت سنده الداخلي، وتلتها محنة الطائف والرد القاسي الذي لقيه من أهلها. فكانت رحلة الإسراء والمعراج بمثابة تثبيت رباني لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتكريماً إلهياً له، ورفعاً لمنزلته، لتأكيد أن الله معه ولن يخذله، وأن ما ينتظره من نصر وتمكين أعظم مما فات.
كانت الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر "البراق"، حيث صلى إماماً بالأنبياء والمرسلين، إعلاناً بختم النبوات، وأن شريعته هي المهيمنة على الشرائع. ثم كان المعراج من المسجد الأقصى إلى السماوات السبع، مروراً بالأنبياء في منازلهم، ورؤية ملكوت الله، حتى وصل إلى سدرة المنتهى، حيث رأى من آيات ربه الكبرى.
وهنا نستخلص العبر والدروس المستفادة من هذا الحدث العظيم أولها التعلق بالصلاة ومكانتُها العظيمة، لقد فُرِضت الصلاة في هذه الرحلة مباشرة من الله تعالى، دون واسطة جبريل عليه السلام، وفي أعلى مكان، وهذا يدل على عظيم مكانتها. وهي معراج المسلم إلى ربه، فهل نحن محافظون عليها؟ وهل نؤديها بخشوع وطمأنينة؟
ومن الدروس عقيدة التسليم المطلق لخبر الله وأمره، لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر قريشاً بالرحلة، كذبوه واستهزأوا به، بينما آمن به الصديق أبو بكر فوراً دون تردد. وهذا يعلمنا أن الإيمان بالغيب هو جوهر الإيمان، وأن العقل البشري يقف عاجزاً أمام قدرة الله تعالى. وعلى المسلم أن يسلم لما ثبت عن ربه ونبيه.
ومنها مكانة المسجد الأقصى، هذا الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في بدء الآية يؤكد قدسية المسجد الأقصى وأهميته العقائدية للأمة الإسلامية، فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. إن الدفاع عنه، والحفاظ على هويته الإسلامية، قضية إيمانية لا تقبل المساومة، وهو أمانة في عنق كل مسلم.
ومن دروس الرحلة المباركة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فقد كانت تكريماً وتثبيتاً من الله لنبيه بعد الصبر على الأذى في مكة والطائف. وهذا يدل على أن الفرج يأتي بعد الشدة، والنصر بعد الصبر، وأن الاستعانة بالله والتوكل عليه لا يعني ترك الأسباب، بل الأخذ بها مع اليقين بأن القدرة المطلقة هي لله وحده.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله فهي حبل النجاة.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: يعتقد كثير من الناس أن ليلة السابع والعشرين من شهر رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، فيقيمون فيها احتفالات، ويُنشدون فيها القصائد والمدائح، ويخصصون تلك الليلة بمزيد عبادة؛ كقيام الليل أو صيام النهار.
وهذا كله باطل وممنوع لأنه لم يثبُت جزماً أن ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، فلم يأتِ دليل واحد صحيح على تعيينها، وعلى فرض أنها ليلة السابع والعشرين من رجب، لا يجوز أيضًا الاحتفال بها أو تخصيصها بشيء من العبادات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لَبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعُرِف واشتُهر ونقل.
وبعد هذه الجولة المباركة مع دروس الإسراء والمعراج، نخرج بوقفة تأمل حاسمة: ماذا فعلت بنا هذه الذكرى؟
لقد كانت هذه الرحلة إثباتاً لقدرة الله، وتثبيتاً لنبيه، وهي اليوم دعوة لنا للتثبيت على الحق، والارتقاء في العبادة. فالإسراء والمعراج علّمنا أن أشدّ الليالي ظلمة هي التي تسبق شروق الفجر، وأن التمكين الإلهي يأتي بعد الصبر والابتلاء.
أيها المسلمون: لنجعل من ذكرى الإسراء والمعراج محطة لمراجعة النفس، وتجديد العهد مع الله، ودافعاً لنا للعمل الصالح، ومراجعة علاقتنا بالله، والعودة الصادقة إليه.
فلنحافظ على صَلاتنا فهي عمود الدين ومعراج أرواحنا.
ولنتمسك بـعقيدة التوحيد والتسليم لقدرة الله.
ولنتذكر أمانة الأقصى وحق المسلمين فيه.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

