الخطبة الأولى
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق الجنةَ لأوليائه، وأعدَّ فيها من النعيم ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الفوز الأكبر دخولَ الجنة والنجاةَ من النار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
أما بعد
عباد الله: لو سأل أحدنا نفسه: ما طموحك يا ابنَ آدم؟ ما أكبر أمانيك؟ لقلتَ: بيت واسع، ورزقٌ وافِر، وصحةٌ في الأبدان، ورغد في العيش. لكن؛ هل تفكَّرت يومًا في نعيمٍ لا يزول؟ في مُلكٍ لا ينفد؟ في شبابٍ لا يهرم؟ في سعادةٍ لا يشوبها همٌّ ولا غمٌّ ولا حزنٌ ولا مرض؟ يقول ربُّنا جل وعلا: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]. الحياة الحقيقية هناك، عند أول قدمٍ في الجنة، وعند أول نظرةٍ إلى قصورها وأنهارها ونعيمها، هناك ينسى أهل الإيمان كلَّ همٍّ أصابهم، وكلَّ شدةٍ ذاقوها في دار البلاء.
أيها المسلمون: جاء في صحيح مسلم أن موسى عليه السلام سأل ربَّه عن أدنى أهل الجنة منزلة، فقال سبحانه: (هو رجلٌ يأتي بعدما أُدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، فيقالُ له: ادخُلِ الجنة، فيقول: أيْ ربِّ وكيف وقد نزل الناسُ منازلَهم وأخذوا أخذاتِهم؟ فيقول الله له: أترضى أن يكون لك مثلُ مُلكِ مَلِكٍ من ملوكِ الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيتُ ربِّ، فيقول: هذا لك وعشرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت نفسُك ولذَّت عينُك). هذا -عباد الله- أدنى أهل الجنة منزلة! ملكٌ عظيم، وعشرة أمثال مثلِ ملكٍ من ملوك الدنيا، ثم فوق ذلك: (ولك ما اشتهت نفسُك ولذَّت عينُك). ثم تأمّلوا السؤال الآخر: قال موسى عليه السلام: (فربِّ فأعلاهم منزلة؟) فقال جل جلاله: (أولئك الذين غرستُ كرامتَهم بيدي، وختمتُ عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمعْ أذن، ولم يخطر على قلب بشر). ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. فيا عبد الله، إن كان أدنى أهل الجنة له هذا الملك العظيم، فما بالك بمن سبق وسارع، وما بالك بمن ضحّى وبذل، وناجى ربَّه في الظلمات؟
أيها المؤمنون: تأمّلوا قول الله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34-35]. وقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]. لا حقد، لا غيرة، لا خصومة، قلوبٌ نقية، ووجوهٌ مضيئة، وإخوةٌ على سررٍ متقابلين. {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين: 22-24]. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} [عبس: 38-39]. طعامهم، شرابهم، لباسهم، مساكنهم، كلُّه على أكمل ما يكون: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [محمد: 15]. {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 45-47]. لا صداع، ولا دوار، ولا سُكر، إنما لذّةٌ خالصة ونعيمٌ طاهر.
ولباسهم: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 33]. وبنيانهم: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الزمر: 20]. وفي الحديث: (لبنةٌ من ذهب، ولبنةٌ من فضة، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران). ثم فوق كل ذلك النعيم، نعيمٌ أعظم لا يقاس به شيء؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول اللهُ لأهلِ الجنة: يا أهلَ الجنة، فيقولون: لبّيكَ ربَّنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خَلْقِك؟ فيقول: ألا أُعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) رواه البخاري ومسلم. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23].
عباد الله: إذا كان هذا حال أدنى أهل الجنة، فكيف بأهل الفردوس الأعلى، الذين لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا، الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10-11]. فيا من ترجو أن تكون من أهلها: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [آل عمران: 133]. {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحديد: 21]. نِعْمَ السباق، ونِعْمَ التنافس: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
أيها المؤمنون: الأعمال التي ترفع العبد للمنازل العلا في الجنة كثيرة متنوعة، وإن من رحمة الله أن جعل أبواب الجنة ثمانية، وجعل لكل عملٍ بابًا: باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصدقة، وباب الريان للصائمين، وباب التوبة، وباب صلة الرحم. ومن أجل الأعمال العظيمة التي ترفع العبد منازل في الجنة: طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري. ومن ذلك أيضًا: العلم النافع والعمل به: قال صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة) رواه أبو داود. ومن ذلك: الحج المبرور: قال عليه الصلاة والسلام: (الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة) رواه الترمذي. ومن ذلك أيضًا: حسن الخلق وكف الأذى، وإطعام الطعام والإحسان إلى الناس، فمن أراد أن يزاحم أهل الفردوس، فليزاحمهم في هذه الأعمال.
عباد الله: ليست المشكلة في يكون للإنسان اشتغال يستعين به العبد على أمور الدنيا، ولكن في أن تكون هي أكبر همِّ العبد، فيبيع بها فردوسًا عرضها السماوات والأرض . يقول ربنا سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء: 18-19]. فاختر لنفسك يا عبد الله: إما عملٌ للعاجلة ثم جهنم والعياذ بالله، وإما عملٌ للآخرة وسعيٌ مشكور، ودرجاتٌ في الجنة وملكٌ كبير.
عباد الله: من زُحزِح عن النار، وأُدخل الجنة، فقد فاز الفوز العظيم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران: 185].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، الحمد لله الذي وعد المؤمنين جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد،
عباد الله: ربنا جل وعلا بين لنا الطرق الموصلة إلى هذا النعيم المقيم قال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ… * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1-11]. فطريق الفردوس يبدأ من هنا: صلاةٌ بخشوع، وجوارحُ عن الحرام مصونة، وأماناتٌ وعهودٌ محفوظة، وصبرٌ ومجاهدةٌ للنفس على الطاعة وغيرها مما ذكرته سورة المؤمنون.
عباد الله: سلوا الله الجنة، وتعوّذوا به من النار، وأكثروا من هذا الدعاء النبوي الجليل: (اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قولٍ وعمل). ثم صلّوا وسلِّموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال جلَّ من قائل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

