الخطبة الأولى
الحمد لله، نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
معاشر المؤمنين: في هذه الأيام يستقبل شبابنا بجميع مستوياتهم وتخصصاتهم العلمية والمهنية موسماً يستدعي تحصيلاً مثمراً، ليخوضوا غمار الامتحانات غداً، وينبغي أن نقف وقفة لا بد منها أمام هذه الامتحانات لنرسم خطوطاً عريضة تهدي إلى الهدف من تلك الدراسة، وتبين السبيل إلى النجاح فيها.
عباد الله: معظمنا لا بد أن يكون مدرساً أو معلماً، أو دارساً متعلماً، أو أباً لأولاد متعلمين، أو شخصاً له علاقة بمعلم أو بمتعلم.
فأما بالنسبة للطالب الذي يبذل قصارى جهده في هذه الأيام، فينبغي له أن يعي أموراً عديدة من أهمها: أن يخلص النية لوجه الله جل وعلا في دراسته التي سيقدم الامتحان فيها، وأن يجعل قصده رضا الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنه ينبغي أن يكون مستحضراً أمامه الوعد الجزيل الذي رفع الله به المتعلمين في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، حيث قال جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. ويقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم. هذا إذا كان من طلبة العلوم الشرعية التي بها حياة الأرواح والأبدان وصلاح المجتمعات والأمم.
وإن كان من طلبة العلوم الأخرى؛ فعليه أن ينصب أمام عينه حاجة المسلمين إلى علمه هذا، وتعليم ذلك لأبنائهم، وأنه لا ينبغي للمسلمين أن يبقوا عالة على غيرهم في تلك المجالات، وأن ذلك الطالب يقوم بأحد فروض الكافية التي يأثم المسلمون بإجماعهم على تركها والتهاون بها، ويرتفع الإثم عنهم إذا قام بها فرد أو طائفة منهم.
معاشر المؤمنين: ونحن نلاحظ في هذه الأيام حرص المجتمع وعنايته بهذا الموسم، فالشاب تراه مكباً على الدراسة، والأب لا يألو جهداً في التشجيع والوعود الجزيلة بعد النجاح، والأم لا تدخر وسعاً في توفير اللازم وتأمين الراحة لأبنائها، وفي إعداد ما يلزمهم من مأكل ومشرب، وترتيب دقيق لمواعيد النوم والاستيقاظ.
وكل هذه جهود مشكورة للآباء والأمهات، ودليل على صدقهم وعمق المحبة التي يكنونها لأولادهم وبناتهم، ولكن أمام هذا كله نطرح سؤالاً وهو: هل نرى هذه العناية بالأبناء والبنات في جميع مواسم السنة الحافلة بالخيرات والأجور الجزيلة؟
هل نرى هذا الاهتمام بالأبناء والبنات في أمرهم بالصلوات والحض على المحافظة عليها جماعة، ونهيهم عن المحرمات، ومراقبة جلسائهم وخلطائهم؟
وليسأل الطالب نفسه -أيضاً- وليفسر اهتمامه البالغ بالامتحانات دون غيرها من مواسم العبادات.
أيها الشباب المندرجون في مراتب الدراسة، أو على أبواب التخرج منها: تذكروا أن شهاداتكم التي تحملونها، هي تأهيل علمي ليؤتمن الفرد بها على أمانة الأمة والمجتمع، وليكون كفؤاً قادراً على خدمة أبناء أمته وإخوانه المسلمين، وتذكروا أن الشهادة والوثيقة ليست هي العلم كله بل هي أبواب العلوم ومفاتيح المعارف، فليحرص كل واحد منا على مواصلة الاطلاع وطلب العلم، فلا تكن الشهادات الدراسية هي أكبر همنا أو مبلغ علمنا، فإن كنا كذلك فقد خبنا وخسرنا.
أيها الشاب المجتهد في دراستك: إن نويت بهذا التحصيل دفع الجهل عن نفسك، وجلب نور العلم إليها، وخدمة أمتك، ونفع إخوانك المسلمين بما علمك الله ووفقك له؛ فأنت بهذا ممن أحسنوا النية والعمل، فيبارك الله لك فيما عملت وفي علمك، ويقنعك الله بما رزقك، وتنال بذلك خيري الدنيا والآخرة.
وأما إن كانت الشهادة والوظيفة وما ينجم عنها من مكافأة أو جائزة هي غاية الهم والدراسة، فأنت بذلك ضيعت على نفسك أجر النية العظيمة طيلة حياتك الدراسية، ولن تؤتى إلا ما قسم الله لك من الرزق، فبالنية تنقلب العادات والتكاليف إلى عبادات، وبالنية الصالحة تكتب دراستك في موازين أعمالك وترجو بها أجراً عند الله، وبصرف النية إلى قصد الدنيا وابتغاء حطامها لا تنال إلا التعب والحسرة، وإن واصلت الدراسة، فلن يأتيك إلا ما قُسم لك، ولا تدري هل يبارك لك فيه أم لا! وهل تقتنع بما رزقته أم لا!
معاشر الشباب: عليكم أن تحسنوا القصد والنية في جميع الأحوال، كي تنالوا بذلك الخير العظيم، ولو قلبتم النظر في أصناف الدارسين لوجدتم القاصدين بذلك وجه الله، والذين يقصدون نفع الأمة ورفع الجهل عنها، والدعوة إلى الله، تجدونهم مستقيمين في حياتهم، جادين فيها، غير معتمدين على أحد سوى الله.
أما أولئك الذين يطمحون إلى المكافأة والجائزة وحدها، أو المكانة المرموقة والشهرة الاجتماعية، فتجدونهم لا يبالون باستخدام أي وسيلة تؤدي بهم إلى ما يريدونه من نيل الوثيقة والشهادة، وترى بعضهم يفعل الأعاجيب في سلوك سبل الغش والتزوير في الامتحانات، وقد نسي أنه بهذا يخدع نفسه وأمته في المستقبل وهو لا يدري، وقد يعرض نفسه للحرمان من الدراسة عقوبة له على سلوك ذلك السبيل المنحرف.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن.
أما بعد:
مما ينبغي أن ننتبه له في هذا الموسم المؤدي إلى الامتحانات والمذاكرة هو: أن نبعد فكرة الغش في الامتحانات عن أذهان الأبناء؛ لأن ذلك ارتكاب لمحرم، والغش بجميع أنواعه ممنوع في الإسلام، فإذا كان ممنوعاً في المعاملات فمن باب أولى أن يمنع في العلوم عامة، وعلوم الشريعة واللغة خاصة.
اعلموا أيها المربون المدرسون! أن عليكم مسئولية عظيمة في طمأنة قلوب الطلبة حال الامتحانات وقبلها، ولا تجعلوا الامتحانات شبحاً يخيف الطلاب، بل اجعلوها أسهل شيء عندهم بكل ما تملكونه من الوسائل التربوية الناجحة.
وأنت أخي الطالب: استعن بالله جل وعلا واحرص على دخول الامتحان نظيفاً متوضئاً، وقبل أن تبدأ الإجابة لا تنس ذكر الله وحمده والثناء عليه، ثم صل على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واسأل ربك بدعوة نبيه موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} [طه: 25 - 27].
واستحضر الدعاء المعروف "يا معلم داود علمني، ويا مفهم سليمان فهمني"، وإذا استصعب عليك أمر فادع بالدعاء الوارد في السنة عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا) رواه ابن حبان.
عباد الله: هذه امتحانات يقدمها الأبناء أمام لجان بشرية، ومع هذا نرى الجهود الجبارة والمساعدة الهائلة منا لهم، وما ذاك إلا لمحبتنا لأبنائنا وبناتنا، فهل نقف معهم هذا الموقف، وهل نكون عوناً لنقي أنفسنا وإياهم ناراً وقودها الناس والحجارة؟
هل نقف معهم مذكرين لهم بموقفهم أمام الله جل وعلا يوم لا تخفى عليه خافية، ولا يستطيعون غشاً ولا خداعاً، ولا يملكون فرصة أو دوراً آخر؟
إذا كنا نحبهم حقاً؛ فلنحرص على تربيتهم ودعوتهم بالمعروف، وتشجيعهم في كل ما ينفعهم كي نذكرهم بالامتحان الأكبر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المقالات

