الخطبة الأولى
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق الإنسان وابتلاه، وجعل للحياة نهايةً لا يتقدّمها أحد ولا يتأخّر، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها حسن الخاتمة عند الرحيل، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه، بلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغُمّة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
عباد الله: اعلموا أن من أعظم ما يُصلح القلوب، ويوقظ الضمائر، ويهذّب السلوك: استحضارُ ساعة الرحيل، ولحظة الاحتضار، والوقوفُ على ما يكون عندها من مشاهد الغيب التي أخبرنا الله ورسوله بها. وقبل أن نقف عند مشهد الاحتضار، لا بد من ذكر أصلٍ عظيم، وركنٍ جليل من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالملائكة.
عباد الله: الإيمان بالملائكة ليس أمراً ثانوياً ولا قضيةً غيبية هامشية، بل هو ركن من أركان الإيمان الستة، لا يصح إيمان عبد إلا به؛ قال الله تعالى: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} [البقرة: 285]. والملائكة عبادٌ مكرمون خلقهم الله من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، لهم وظائف وأعمال، منهم الموكَّل بالوحي، ومنهم الموكَّل بالأرزاق، ومنهم الكَتَبَة، ومنهم ملائكة الموت، الذين يحضرون الإنسان في أخطر لحظة في حياته: لحظةَ الاحتضار.
أيها المسلمون: إن للإيمان بالملائكة آثارًا عظيمة في حياة المسلم، منها: استحضار مراقبة الله تعالى، فعندما يعلم المسلم أن عليه ملائكة يكتبون أقواله وأفعاله؛ يستشعر رقابة الله عليه فترتدع نفسه وتنقاد لأمر الله تعالى. ومنها: الحياء من المعصية والذنوب؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. ومن ثمرات الإيمان بالملائكة: الطمأنينة عند الشدائد؛ إذ يعلم المسلم أن الله تعالى يمدّ عباده بالملائكة تثبيتًا ونصرًا. ومنها: الاستعداد للقاء الله تعالى لأن من أيقن بحضور الملائكة عند الموت راجع عمله، وأصلح سريرته.
عباد الله: هذا الإيمان الراسخ بالملائكة يفتح باب الحديث عن أخطر ساعةٍ يمرّ بها الإنسان، ساعةٍ تتغيّر فيها الوجوه، وتُقبض فيها الأرواح، إنها ساعة الاحتضار وساعة الفصل. ساعة الاحتضار ليست كسائر الساعات، إنها اللحظة التي يُسدل فيها الستار، ويُغلق فيها سجل العمل، ويبدأ الانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء، وفي تلك الساعة، تحضر الملائكة، لكن حضورهم ليس واحدًا لكل الناس؛ بل هو على حالين لا ثالث لهما: الحالة الأولى: تنزل بشرى للمؤمنين، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. يا الله! الملائكة تتنزل عليهم ساعة الموت ساعة الاحتضار تقول لهم: ألا تخافوا مما أنتم مُقدِمون عليه، ولا تحزنوا على ما تتركونه خلفكم، وأبشروا بجنةٍ عرضها السماوات والأرض. وفي الحديث الصحيح: (إِنَّ العبدَ المؤْمن إذا كان في انْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا، وإِقْبالٍ من الْآخِرَةِ، نزل إليه من السَّمَاءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجُوهِ، كأَنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ، معهُمْ كفنٌ من أكْفَانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتَّى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حتَّى يَجلِسَ عندَ رأسِه فيَقولُ: أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إلى مغْفِرةٍ من اللَّهِ ورِضْوَانٍ، فتخْرُجُ تَسِيلُ كما تسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ، فيَأْخذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفَةَ عَيْنٍ، حتَّى يَأْخُذُوها فيَجْعَلُوهَا في ذلكَ الكَفَنِ وفي ذلكَ الحَنُوطِ، فيَخْرُجُ منها كأَطيَبِ نَفْخَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وجْهِ الأرضِ، فيَصْعَدُونَ بِها، فلا يمُرُّونَ بها على مَلَكٍ من الملائِكَةِ إلَّا قالُوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فيقولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، بأَحْسَنِ أسمائِه الَّتي كانُوا يُسَمُّونَه بها في الدُّنْيَا، حتَّى ينْتَهُوا بها إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحون له فَيُفْتَحُ له، فيُشَيِّعُهُ من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتي تلِيها، حتَّى يُنتَهَى إلى السَّماءِ السَّابِعةِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: اكْتُبُوا كِتابَ عبدِي في علِّيِّينَ، وأَعِيدُوا عَبدِي إلى الأرضِ، فإِنِّي مِنها خَلَقتُهم، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهم تارةً أُخْرَى. فتُعادُ رُوحُه، فيَأتِيهِ مَلَكانِ، فيُجْلِسانِه، فيَقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: رَبِّيَ اللهُ، فيَقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيَقولُ: دِينِيَ الإِسلامُ، فيَقولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيَقولُ: هو رسولُ اللهِ، فيَقولانِ له: ومَا عِلْمُكَ؟ فيَقولُ: قَرأتُ كِتابَ اللهِ فآمَنتُ به وصَدَّقْتُ، فيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبدِي، فَأفْرِشُوه من الجنَّةِ، وألْبِسُوهُ من الجنَّةِ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنَّةِ، فيَأتِيهِ من رَوْحِها وطِيبِها، ويُفسحُ له في قَبرِهِ مَدَّ بَصرِهِ، ويَأتِيهِ رَجلٌ حَسَنُ الوَجهِ، حَسنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيَقولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هذا يَومُكَ الذي كُنتَ تُوعَدُ، فيقولُ لهُ: مَن أنتَ؟ فوجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخيرِ، فيَقولُ: أنَا عَملُك الصَّالِحُ، فيَقولُ: رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ) رواه أحمد. في ساعة الاحتضار هذه تخرج روح المؤمن بسهولة كما تسيل القطرة من فيّ السقاء. أي كرامةٍ أعظم من هذه؟ وأيُّ ختامٍ أجلّ من هذا؟ نسأل الله حسن الخاتمة.
الحالة الثانية: تنزل وعيدًا للكافرين والعصاة في مشهدٍ آخر، تقشعرّ له الأبدان، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50]. وقال سبحانه: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93]. مشهد تأتي فيها الملائكة لا بالبِشرى بل بالزجر، لا بالسلام بل بالتوبيخ والوعيد. وفي الحديث: (وإنَّ العبدَ الكافِرَ إذا كان في انقِطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخِرةِ، نزل إليه من السَّماءِ ملائكةٌ سُودُ الوجُوهِ، معَهُمُ المُسُوحُ، فيجلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ حتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إلى سَخَطٍ من اللَّهِ وغَضَبٍ، فَتَفرَّقُ في جَسَدِهِ فيَنتَزِعُهَا كَما يُنتَزَعُ السَّفُّودُ من الصُّوفِ المَبْلُولِ، فيَأْخذَها، فإذا أخذَها لَم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَينٍ حتَّى يَجْعَلُوهَا في تِلْكَ الْمُسُوحِ، يخرجُ منها كأَنْتَنِ ريحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ على ظَهْرِ الأَرضِ، فيصْعَدُونَ بِها، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَكٍ من الملائِكَةِ إلَّا قَالُوا: ما هذا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فيَقُولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، بأَقْبَحِ أسْمَائِهِ التي كان يُسَمَّى بِهَا في الدُّنْيَا، حتى يُنتَهى بِهَا إلى سمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لهُ، فلا يُفْتَحُ لهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ}، قال: فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَه في سِجِّينٍ في الْأَرْضِ السُّفْلَى، قال: فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، قال: فتُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويَأْتِيهِ ملَكَانِ فَيُجْلِسَانِه، فيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فيَقُولُ: هَاهَا لا أدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: ومَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهَا لا أدْرِي، فيَقُولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فِيكُم؟ فيَقولُ: هَاه هَاه لا أدْرِي، فيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ كَذَبَ عَبدِي، فأفْرِشُوهُ من النَّارِ، وافْتَحُوا له بابًا إلى النَّارِ، قال: فَيَأْتِيهِ مِن حَرِّهَا وسَمُومِهَا، ويُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حتَّى تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ أضْلَاعُهُ، ويَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، وقَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هذا يَوْمُكَ الَّذي كُنْتُ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فيَقُولُ: ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ) رواه أحمد. في ساعة الاحتضار تتفرق روح الكافر في جسده، فينتزعها ملك الموت كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول. فيا لها من نهاية قاسية، ويا له من ختامٍ مرعب. نسأل الله السلامة.
عباد الله: هذه المشاهد لم تُذكر في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم للتخويف المجرد، ولا لإدخال القنوط في القلوب، وإنما ذُكرت لتصحيح المسار، وإيقاظ الغافل، وحمل العبد على محاسبة نفسه قبل أن يُحاسَب. ذُكرت ليُدرك الإنسان أن حسن الخاتمة لا يُنال بالأماني، وأن ساعة الاحتضار هي ثمرة حياةٍ كاملة، وأن الملائكة لا تُبشّر إلا من عرف الله في الرخاء، ولا تُكرم إلا من استقام على أمر الله تعالى في السرّ والعلانية؛ فمن أراد بشرى الملائكة عند الموت، فليلزم الاستقامة قبل الموت، ومن خاف من وعيدهم، فليتب اليوم قبل أن يقول عند الموت: رب ارجعون فلا يُستجاب له. فأكثروا عباد الله من ذكر الله تعالى، وأصلحوا ما بينكم وبينه، واحفظوا أوامره ونواهيه، واسألوه حسن الخاتمة عند الرحيل، والثبات عند السؤال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله: اتقوا الله، واعلموا أن أصدق الاستعداد للموت: دوام التوبة، وصلاح العمل، وسلامة الصدر، وحسن الظن بالله مع صدق الإقبال عليه. تذكّروا أن ساعة الاحتضار لا تفرّق بين صغيرٍ وكبير، ولا بين قويٍّ وضعيف، لكن الفارق كبير بين قلبٍ عامرٍ بالإيمان، وقلبٍ غافلٍ عن الرحمن. فطوبى لمن إذا حضرته الملائكة، حضرته بالبِشرى، وويلٌ لمن حضرته وقد أُغلقت في وجهه أبواب التوبة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

