الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غزوة بدر.. دروس تربوية وقِيَم حضارية

غزوة بدر.. دروس تربوية وقِيَم حضارية

غزوة بدر.. دروس تربوية وقِيَم حضارية

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
السيرة النبوية ليست قصصا وصفحات تُروى للتسلية، بل منهج حياة شامل يترجم الوحي عمليًا، ويغرس القيم والأخلاق، ويرشد المسلمين في حياتهم وسلمهم وحروبهم، وهي مصدر للأحكام الشرعية والدروس التربوية والقيم الأخلاقية، وما ذلك إلا أنها سيرة خير الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم..
وفي خطبتنا اليوم نقف مع أولى معارك الإسلام الفاصلة، نقف مع يوم الفرقان الذي ميّز الله فيه بين الحق والباطل، وأظهر فيه قوة العقيدة على قلة العدد والعدة، نقف مع غزوة بدر الكبرى، والتي لم تكن مجرد مواجهة ومعركة بالسيوف والرماح، بل كانت إعلانًا عن ميلاد الأمة الإسلامية، وبداية عزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين..
وقد قعت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، في العام الثاني للهجرة، وقد خرج فيها المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، يواجهون جيشًا يفوقهم أضعافًا بقيادة أبي جهل، مدججًا بالسلاح والخيول، ومع ذلك، نصر الله عز وجل جنده وهم قلة، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(آل عمران:123)..

فتعالوا بنا سريعا مع أحداث هذه الغزوة المليئة بالدروس والعِبر..
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشًا خرجت بجيشها الجرار، تحمل معها السلاح والعتاد، وتفوق المسلمين ثلاثة أضعاف عددًا وعدة، جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يستشيرهم في الأمر، فتكلم المهاجرون مؤيدين القتال، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسمع كلمة ورأي الأنصار، فهم أكثر الجُند، وبيعة العقبة لم تُلزمهم بحمايته خارج المدينة.
فأخذ يكرر قوله: (أشيروا عليَّ أيها الناس)، حتى أدرك سعد بن عُبادة رضي الله عنه مراد النبي صلى الله عليه وسلم، فقام قائلاً بلسان الإيمان واليقين: "إيانا تريد يا رسول الله؟! قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردْتَّ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، لا يتخلف منا رَجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا، إنا لصُبر عند الحرب صُدُق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِر بنا على بركة الله". فانشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم، وبشّر أصحابه قائلا: (سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدا)..
وبدأ القتال بين الفريقين بمبارزات فردية، ثم دارت رحى المعركة، والتحمت الصفوف، وإذا بمدد وجند السماء ينزل، قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال:10:9). فكان النصر المؤزر من عند الله، رغم قلة العدد وضعف العدة، وسقط رؤوس الكفر والعدوان، فقُتل

أبو جهل، وأمية بن خلف، والعاص بن هشام، وبلغ قتلى المشركين سبعين، وأُسِر مثلهم، وفرّ الباقون يتركون وراءهم الغنائم والخيبة والخزي، وهكذا كتب الله يوم بدر فرقانًا بين الحق والباطل، وعزًا للإسلام وأهله..

عباد الله: غزوة بدر هي إحدى الغزوات الهامة في السيرة النبوية المليئة بالدروس والعبر، والمواقف التربوية والحضارية، ومِنْ ذلك:
الشورى، ذلك المبدأ الذي يجمع العقول في عقل واحد، ويوفق إلى الصواب، ويجنب الخطأ، والشورى تكون في الأمور التي ليس فيها أمْر مِن الله، أو أمْر مِنْ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذْ لا شورى مع وجود نص شرعي، وقد أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}(آل عمران:159)..
ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المعصوم المُسَدَّد بالوحي، وهو أحسن الناس رأيا، وأحكمهم عقلا، وأطهرهم قلبا، وأزكاهم نفسا، ولكنه مع ذلك كان يشاور أصحابه وأهله ليؤصل هذا النهج الذي تستقيم به الأمة في حياتها، فكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشورة في أحواله كلّها، في السِلم والحرب، وأموره الخاصّة والعامة، حتى شهد أصحابه بذلك..
وفي غزوة بدر استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيرا: حيث شاورهم في الخروج لملاقاة عِير قريش وقال قولته المشهورة: (أشيروا عليَّ أيها الناس)، واستشارهم عن أفضل مكان ينزلون فيه قبل المعركة، وأخذ برأي الحُبَاب بن المنذر ـ كخبير عسكري ـ وقال له: (لقد أشرتَ بالرأي)، واستشارهم كذلك بعد المعركة في موضوع أسرى قريش..
ومن الدروس العظيمة في بدر ـ بعد درس الشورى ـ درس المساواة، فقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن القائد الحق ـ سلما أو حرباـ لا ينفصل عن جنوده، بل يشاركهم ويقاسمهم الآلام والآمال، وفي يوم بدر كان صلى الله عليه وسلم مع أبي لبابة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما يتعاقبون على بعير واحد، فلما جاء دور نزوله قالا له: نَحن نمشي عَنك ـ ليظلَّ راكِبًا ـ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنتُما بأقوى منى على المشيِ ولا أَنا بأَغنى عنِ الأجرِ منكما) رواه أحمد.
أي مساواة وتواضع أعظم من هذا؟! قائد الأمة، المؤيَّد بالوحي، يرفض أن يتميز عن أصحابه، ليغرس في القلوب أن المساواة أساس، وأن طلب الأجر لا يستغني عنه أحد، مهما علت درجته.. فليتأمل كل مسئول وكل رب بيت هذا الدرس العظيم، فالمساواة والتواضع لا تُبنى بها الجيوش فحسب، بل تُبنى بها المؤسسات والبيوت، فإذا نزل القائد إلى مستوى جنوده، ونزل الأب إلى مستوى أهله وأولاده، شعر الجميع بالرحمة والود، وساد التعاون والوحدة، وكان ذلك سببًا للنصر والنجاح في كل ميدان.. وهكذا اجتمعت في بدر قيم الشورى والمساواة، لتبني أمةً متماسكة، متعاونة، متواضعة، لا يعرف قائدها الكِبْر، ولا يعرف جنودها التفرقة، وإنما يجمعهم الإيمان والأخوة والعمل، فيكون النصر من عند الله..
وفي غزوة بدر ظهرت قيمة حضارية لم يعرفها التاريخ من قبل ولا من بعد، ألا وهي حفظ العهود مع الأعداء، فقد جاء حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذت عليهما قريش عهدًا ألا يقاتلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبرا النبي بذلك قال لهما: (انْصَرِفا، نَفِي لهمْ بعَهْدِهِمْ، وَنَسْتعِينُ اللَّهَ عليهم) رواه مسلم. فأي موقف أعظم من هذا؟! جيش المسلمين قليل، وهم في أمسّ الحاجة إلى كل مقاتل، ومع ذلك يأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُسجَّل على أصحابه خيانة أو نقض عهد، ليعلّم الأمة أن الوفاء خُلُق لا يسقط في الحرب ولا في السلم، وأن النصر لا يُنال بالغدر، وإنما يُنال بالصدق مع الله.
قال ابن القيم: "ومِنْ هديه صلى الله عليه وسلم أن أعداءه إذا عاهدوا واحداً مِنْ أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين بغير رضاه أمضاه، كما عاهدوا حذيفة وأباه الحُسيل أن لا يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم فأمضى لهم ذلك، وقال: (انصرفوا نفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)"..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
لم تعرف البشرية محاربا وفاتحا أرحم بمحاربيه ومَنْ يقع في يديه مِنَ الأسرى مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ففي الوقت الذي كانت فيه الجاهلية لا تعرف أخلاقيات للحروب ولا حقوق للأسرى، وتستباح الحُرُمات والأعراض، جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليضع للبشرية كلها تصورًا سامياً لحقوق الأسرى، ورغم أنَّ هؤلاء الأسرى يحاربون الإسلام والمسلمين، إلا أن النبي أمر بالإحسان إليهم، وقرَّر لهم واجبات وحقوقاً على المسلمين، منها: الحرية الدينية، والحق في الطعام، والكسوة، والمعاملة الحسنة..
ومن الدروس العظيمة في بدر: حقوق الأسرى، فقد كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بمن وقع في يده من الأعداء، في زمنٍ كانت الجاهلية لا تعرف للأسرى حقًا ولا حرمة، فأمر بالإحسان إلى الأسرى، وأوصى بهم، وقرر لهم حق الطعام والكسوة والمعاملة الحسنة، وقال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسارى خيرا) رواه الطبراني.
وقد طبق الصحابة رضوان الله عليهم هذه الوصية النبوية تطبيقاً عمليا، فكانوا يؤثرون الأسرى بالخبز ويكتفون بالتمر، ويحملونهم على الدواب ويمشون هم، امتثالًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم، حتى شهد الأسرى أنفسهم بكرم المسلمين ورحمتهم، فعادوا إلى مكة يحدثون عن أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخل كثير منهم في الإسلام بعد ذلك..
وهكذا علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في بدر وغيرها أن الرحمة لا تسقط في الحرب، وأن الكرامة الإنسانية لا تُسلب حتى من الأعداء، وأن النصر الحقيقي إنما يُبنى على الحق والعدل والأخلاق قبل السيوف، وقد قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}(الإنسان:8)..
عباد الله: لقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ـ وغيرها من الغزوات وأحداث سيرته، وفي السلم والحرب ـ الكثير والكثير مِن الدروس والقِيم والمواقف الحضارية، ومن ذلك ما ظهر في غزوة بدر من: الشورى، والمساواة، والرحمة، وحفظ العهود والمواثيق، وحقوق الإنسان ـ ولو كان محاربا أو أسيرا ـ، والتي سبقت الغرب وواقعنا المعاصر بأكثر مِن ألف وأربعمائة سنة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة