لم يكن جمال حمدان جغرافيًا يقرأ الخرائط ببرود العالم، بل كان مفكرًا يقرأ الإنسان من خلال المكان، ويقرأ السياسة من خلال العمران. في كتابه: "المدينة العربية"، لا يتعامل مع المدينة بوصفها تجمعًا من المباني، بل ككائن حيٍّ له ذاكرة وروح وسياق تاريخي. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بوصفه نقيضًا كاملًا لفكرة المدينة كما فهمها حمدان.
يقول جمال حمدان:
"المدينة ليست حجرًا يُرصّ، وإنما حضارة تُعاش".
بهذه العبارة البليغة، يضع حمدان معيارًا صارمًا للحكم على أي مشروع عمراني: هل هو امتداد طبيعي للإنسان والمكان؟ أم كيان دخيل مفروض بالقوة؟
المدينة العربية: عمران ينبت من الجذور
يرى حمدان أن المدينة العربية نشأت تاريخيًا بوصفها نتاجًا تراكميًا، لا مخططًا جاهزًا يُفرض من الخارج. فهي مدينة تنمو حول الإنسان لا فوقه، وحول القيم لا حول الأسلاك. ويؤكد ذلك بقوله:
"المدينة العربية ابنة بيئتها، تشكّلت منها وبها، فهي تعبير جغرافي عن ثقافة المجتمع".
وفي موضع آخر يضيف:
"العمران في الشرق لم يكن يومًا هندسة صمّاء، بل كان انعكاسًا حيًّا للعقيدة والعُرف والعلاقات الاجتماعية".
من هنا، تصبح المدينة العربية جزءًا من الهوية، لا يمكن فصلها عن الأرض التي قامت عليها، ولا عن الإنسان الذي سكنها. وهذا ما يجعلها عصيّة على المحو، مهما تعرّضت للغزو أو التشويه.
الاستيطان: هندسة بلا روح
على الضفة الأخرى، يمكن فهم الاستيطان الإسرائيلي – وفق المنظور الحمداني – بوصفه عمرانًا بلا ذاكرة. فهو لا ينبع من المكان، ولا يتفاعل مع تاريخه، بل يُزرع فيه زراعة قسرية. ويصف حمدان هذا النمط من العمران حين يتحدث عن المدن المصطنعة قائلًا:
"هناك مدن تُبنى، وهناك مدن تُخلَق… والفارق بينهما هو فارق الحياة".
فالمدينة الاستيطانية ليست نتيجة حاجة اجتماعية طبيعية، بل أداة سياسية. هي مدينة تبدأ بالخريطة قبل الإنسان، وبالسلاح قبل السوق، وبالسياج قبل الحيّ. ولذلك تبدو – مهما بدت حديثة – كيانًا هشًّا معزولًا، يعيش في صراع دائم مع الجغرافيا المحيطة به.
تزوير الجغرافيا بوصفه مدخلًا لتزوير التاريخ
كان جمال حمدان شديد التحذير من العبث بالجغرافيا؛ لأنه كان يرى فيها سجلًّا أمينًا للتاريخ. يقول في أحد نصوصه:
"الجغرافيا هي ذاكرة المكان، ومن يزوّرها يزوّر التاريخ من الأساس".
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الاستيطان في فلسطين بوصفه مجرد توسّع عمراني، بل هو مشروع لإعادة كتابة المكان: تغيير الأسماء العربية، طمس المعالم، تفكيك الاتصال الجغرافي بين المدن، وتحويل الأرض إلى وحدات منفصلة بلا روح.
وهنا تتجلّى خطورة المشروع الاستيطاني، لأنه لا يسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى نزع صفتها العربية، وتحويل المدينة الفلسطينية إلى هامش محاصر داخل فضاء غريب عنها.
المدينة الفلسطينية: ذاكرة تقاوم الاقتلاع
ورغم كل محاولات الطمس، تبقى المدينة الفلسطينية – في منطق حمدان – مدينة ممتلئة بالزمن. فالقدس، والخليل، ونابلس، وغزة، ليست مجرد نقاط على الخريطة، بل نصوص حضارية حيّة. ويعبّر حمدان عن هذه الفكرة حين يقول:
"ما بُني بالتاريخ لا يُهدم بالجرافات".
فالمدينة التي تشكّلت عبر قرون من التفاعل الإنساني لا يمكن اقتلاعها بقرار سياسي أو بقوة عسكرية. قد تُحاصر، وقد تُشوَّه أطرافها، لكنها تحتفظ بجوهرها؛ لأن هذا الجوهر متجذّر في الإنسان قبل الحجر.
صراع المدن لا صراع الحدود
لو أُعيدت قراءة الصراع الفلسطيني في ضوء فكر جمال حمدان، لظهر بوضوح أنه صراع بين نموذجين للمدينة:
• مدينة عربية تنتمي إلى الأرض، فتدافع عنها بوصفها جزءًا من ذاتها.
• ومدينة استيطانية تحاول امتلاك الأرض دون أن تفهم منطقها ولا روحها.
ويختم حمدان إحدى تأملاته العمرانية بعبارة تصلح أن تكون خلاصة لهذه الرؤية:
"المكان الذي لا يحبه ساكنوه، لا يعترف بهم طويلًا".
إن الاستيطان الإسرائيلي، مهما توسّع عمرانيًا، يظل – في ميزان جمال حمدان – جسمًا غريبًا عن الجغرافيا الفلسطينية، لأنه لم ينبت من أرضها، ولم يتصالح مع تاريخها. أما المدينة العربية الفلسطينية، فتبقى شاهدًا حيًّا على أن الجغرافيا، حين تقترن بالهوية، تتحول من مساحة قابلة للاحتلال إلى ذاكرة تقاوم النسيان.
المقالات

