مناقشة موضوع الهوية الحضارية للأمة ليس ترفاً فكرياً، ولا هو شعار يرفع في المواسم الثقافية، والمنابر الجامعية، بل هو جزء أصيل من مكونات الأمة، فالهوية الحضارية كائن حي يشكل وعي الأفراد، ويترسخ في السلوك، ويُعيد إنتاج المجتمعات.
والهوية الحضارية في التصور الإسلامي جزء من أمانة الاستخلاف في الأرض، وجوهر عمارة المسلم للأرض بالحق، والخير، والجمال.
ومن هنا فإن تخطيط، وبناء القيم، والمحافظة على الهوية، وتطويرها باستمرار، عملٌ تأسيسيٌّ لا يقوم على الارتجال، والاستعجال، بل يبنى على الدراسات المعمقة، والقراءات المتعقلة في سير السالفين، مع وعي عميق بسُنن الاجتماع، ومقاصد الشريعة، وتحولات العصر.
أول لبنات تعزيز الهوية الحضارية تتمثل في الاعتزاز بالانتماء للأمة، والإيمان بالمسلمات الشرعية، والرسالة المحمدية، وجعل الدين سلوكاً للحياة.
ولا بد أن تكون القيم واقعية تراعي بشرية الناس؛ لأنها إذا بقيت معلقة في فضاء التنظير، والمثالية، التي لا وجود لها في حياة اليومية للأفراد، فلن تسهم في دفع الناس إلى المقاصد التي جاءت من أجلها.
أما إذا تُرجمت القيم إلى مهارات سلوكية عملية، فإنها تصبح جزءً من التكوين النفسي والاجتماعي للفرد.
وقد يسأل سائل: ما القيم التي نتحدث عنها، وكيف نتعلمها؟
هذا هو جوهر التربية الحضارية الإسلامية التي لم تكتفِ بالأمر والنهي، بل صاغت الإنسان القادر على مراقبة نفسه؛ لأن ضميره موصول بالله، وسلوكه منضبط بمعنى الاستخلاف.
إن بناء القيم وتعزيزها وتمكينها مهمة شاقة، ينغي أن يتولى أمرها قادة الرأي، وصناع القرار والدعاة المتمكنون، وأن تكون أولوية الأولويات، لأنها تصوغ الأجيال الجديدة، ولا بد من العمل على تحولها إلى ثقافة مجتمعية عامة، يمارسها الناس بعفوية، وتظهر في تفاصيل الحياة اليومية: في الصدق في المعاملة، وإتقان العمل، واحترام الوقت، وحفظ الحقوق، وحسن الاختلاف، وعندها فقط نستطيع القول إن الهوية لم تعد خطابًا دفاعيًا، بل صارت نمط حياة.
ومن أعمدة هذا البناء الحضاري ربطُ الهوية الوطنية لبلداننا العربية بالهوية الثقافية الشاملة للأمة، فالأوطان العربية والإسلامية كلها يجمعها رابط حضاري واحد، أمتن وأرقى ما يكون فيه: الدين، واللغة، والأصالة، وتحضر فيه الذاكرة الجمعية، ونحن بفضل الله لغتنا مثلاً ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء الفكر، ومفتاح الإبداع، ولسان الوحي، وحافظة الذاكرة الحضارية.
ومن المسلمات الإنسانية المتفق عليها: أنه لا توجد لحضارة من الحضارات الإنسانية نهضة حقيقية خارج لغتها الأم؛ إذ باللغات تُنتج المعرفة، وتُصاغ المفاهيم، وتتشكل الرؤى، ومن هنا تبرز ضرورة أن تكون العربية حاضرة بقوة في البرامج الوطنية، والثقافية، والإعلامية كافة، لا بوصفها رمز هويتنا فحسب، بل باعتبارها لغة قادرة على الإبداع، والتجديد، واستيعاب العلوم.
ومما ينغي التنبيه عليه هنا خطورة التقليد الأعمى، ومحاكاة الغرب في برامجه الثقافية والفكرية، فالمشكلة ليست في الاستفادة من منجزات الآخرين، بل في نسخ نماذجهم دون وعي بالسياق، أو إدراك للفروق الحضارية، إذ التغريب حين يُقدَّم على أنه تقدم، يفضي إلى فراغ قيمي، واغتراب نفسي، وفقدان للبوصلة.
ومن هذا المنطلق لا بد من الإشراف على البرامج الثقافية، والفكرية، وعليه ينبغي أن تكون هذه البرامج تحت أيدي مفكرين، وباحثين، ومتخصصين، من أبناء الأمة، يمتازون بالكفاءة، والقدرة على قراءة الواقع المحلي؛ قراءة واعية، واستشراف المستقبل من خلال سِيَر القادة والمصلحين، والرجال الذين صنعوا تاريخ هذه الأمة بروحها، لا بروح مستعارة.
إننا ندرك أن التطورات التكنولوجية الحديثة قد أسهمت في تسطيح الوعي، وترسيخ ثقافة الاستهلاك، فيما يصفه بعض المفكرين بـ" ثقافة الاختراق"، فأصبحت وسائل الإعلام أداة مركزية في الاختراق الثقافي، وصناعة الوعي المعلَّب، ضمن ما يُعرف بالعولمة الثقافية. وهذه العولمة لا تسعى إلى التعدد، بل إلى الهيمنة، ولا تحتفي بالخصوصيات، بل تعمل على تذويبها.
وفي خضم هذا التآكل الذي يهدد خصوصيتنا الحضارية تتأكد أهمية "الأصالة" بوصفها قيمة حية، لا حنينًا جامدًا إلى الماضي، فالأصالة جسر يربط التاريخ بالحاضر، ويمنح الأجيال جذورها العميقة التي تمنعها من الذوبان، وهي قيمة غذائية للعقل والروح، تبدأ من الطفولة، حين يتعرف الطفل على تراثه، ورموزه، وقصصه، وشخصياته، ويكبر وهو يشعر بالفخر بهويته، لا بالخجل منها.
وحين يفهم الطلاب تاريخهم، ويقدّرون القيم التي قامت عليها مجتمعاتهم، يتعلمون كيف يكونون مواطنين فاعلين: يحترمون الماضي، وينفتحون على المستقبل دون فقدان للذات.
فالهوية الثقافية والحضارية للأمة هي عاصم للأجيال، وجوهر مشترك بين أبناء الأمة الواحدة، وهي مجموع السمات التي تميز شخصيتنا، وتمنعنا من الاضمحلال والزوال.
إن معالجة هذه الإشكالات لا تكون بالشعارات، ولا بالمنع وحده، بل برؤية شاملة وعمل مؤسسي طويل النفس، ومن ذلك: إنشاء مراكز أبحاث ترصد الانحرافات الفكرية، وتعالجها بالحوار، وتغيير القناعات، وفهم الخصوصيات العمرية للشباب واحترامها، وتوفير بدائل ترفيهية راقية مشبعة بالثقافة الإسلامية الأصيلة، وبناء متاحف تاريخية، وعلمية بروح عصرية، تبرز إسهامات العلماء المسلمين قديمًا وحديثًا، وتعزز الطموح العلمي لدى الأجيال.
كما أن إبراز القدوات، وتوظيف الشباب في إنتاج أعمال إعلامية، وفنية تعكس هويتهم، وتشجيع الفخر بالزي الإسلامي، والعربي، وكل ما يحقق التميز والأصالة، ويجب دعم المصممين المهتمين بإحياء التراث بروح معاصرة، وإجراء أبحاث تقيس أثر العولمة على القيم، والدين، واللغة، وإنتاج أفلام توعوية تستشرف مستقبل الذوبان الحضاري… كلها وسائل عملية لتحويل الهوية من خطاب دفاعي إلى مشروع نهضة كامل.
وفي النهاية، فإن تعزيز الهوية الحضارية ليس صراعًا مع العالم، بل هو مصالحة عميقة مع الذات، وانطلاق منها إلى الإنسانية جمعاء، هو أن نكون أبناء عصرنا دون أن نكون غرباء عن جذورنا، وأن نحمل مشروعنا الحضاري بثقة، لا بخوف، وبإبداع، لا بتقليد.
المقالات

