الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أمر بالسعي في الأرض، وجعل العمل عبادةً إذا صلحت فيه النية، أحمده سبحانه وأشكره على جزيل نعمه وعظيم عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالإتقان والإحسان، ووعد العاملين الصادقين بالأجر العظيم والفضل المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عمل بيده، وربّى أمته على الكسب الحلال والجد والاجتهاد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]
أما بعد:
عباد الله: من أعظم القضايا التي ينبغي أن يتأملها المسلم في هذا الزمان قضية العمل، فإن العمل في الإسلام ليس مجرد وسيلة لجمع المال فقط، ولا مجرد وظيفة يؤديها الإنسان لينال راتبًا أو أو مكانة خاصة، بل هو عبادة عظيمة إذا صحت النية واستقام القصد.
وقد رفع الإسلام قيمة العمل حتى جعله من دلائل الإيمان وكرامة الإنسان، وربط بين السعي في الأرض وبين التوكل على الله سبحانه، {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15].
فالله سبحانه أمر بالسعي، ونهى عن الكسل والبطالة والتواكل؛ لأن الأمة التي تترك العمل أمة ضعيفة متأخرة، لا تملك قرارها ولا تحقق عزتها. ولقد كان الأنبياء عليهم السلام قدوات في العمل والكسب الحلال؛ فهذا نوح عليه السلام كان نجارًا يصنع السفينة، وداود عليه السلام كان حدادًا يأكل من عمل يده، وموسى عليه السلام عمل راعيًا للغنم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم رعى الغنم وتاجر قبل البعثة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) رواه البخاري.
وهذا يدل على أن الإسلام يربي أتباعه على الاعتماد على النفس، والبعد عن سؤال الناس والتكفف والكسل.
والمتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجد أن كثيرًا من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إنما نشأت بسبب ضعف قيمة العمل والإتقان عند بعض الناس، أو الاتكال على الغير مع الراحة والكسل.
وليس يُنالُ المجد والتقدم بالأماني والأحلام، وإنما ينال بالسعي والجد والاجتهاد.
بقدر الكد تكتسب المعالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي
العمل شرف للإنسان، وسبب لحفظ كرامته، وطريق لبناء الأوطان، وتحقيق مصالح العباد؛ ولذلك جاء الإسلام يحث على كل عمل نافع يحقق الخير للفرد والمجتمع، سواء أكان في التعليم أو الطب أو الصناعة أو الزراعة أو التجارة، أو غيرها من المهن النافعة التي تقوم بها حياة الناس.
الحديث عن العمل في الإسلام يقتضي الحديث عن الإتقان والأمانة والإخلاص، فليس المقصود مجرد أداء الأعمال، بل المطلوب أن يؤديها المسلم بإحسان وجودة ومراقبة لله تعالى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) رواه البيهقي. فالإتقان خلق إسلامي عظيم، به ترتقي الأمم وتنهض الحضارات، وتحفظ الحقوق وتصان الأمانات.
وإن من المؤسف أن يرى الإنسان في بعض المجتمعات صورًا من الإهمال والتقصير والتهاون في الأعمال والوظائف، فتضيع مصالح الناس وتتأخر الإنجازات ويضعف الإنتاج. والمسلم الحق يعلم أن عمله مراقب من الله تعالى قبل أن يراقبه البشر، ولذلك يستوي عنده السر والعلن، والحضور والغياب؛ لأنه يعمل لله سبحانه. {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105].
ومن أعظم صور الأمانة أن يؤدي العامل عمله بإخلاص دون غش أو خيانة، أو تلاعب أو إضرار بالناس، فإن الغش والخداع من كبائر الذنوب. قال صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم.
كما أن من الأمانة ألا يضيع الموظف أوقات العمل في اللهو والكسل والانشغال بما لا ينفع، فإن الوقت أمانة، والراتب الذي يأخذه الإنسان ينبغي أن يقابله أداء صادق وعمل نافع؛ لأن الإسلام يريد من المسلم أن يكون عضوًا نافعًا في مجتمعه.
فطوبى لمن عمر وقته بالطاعة والعمل النافع، وجعل من وظيفته ومهنته بابًا لخدمة الناس ونفع المجتمع وتحقيق الخير للأمة.
ولما كان العمل بهذه المنزلة العظيمة في الإسلام، فقد جاء الشرع بحفظ حقوق العمال والتحذير من ظلمهم أو بخسهم حقوقهم. فالإسلام دين عدل ورحمة، لا يرضى بالاستغلال ولا بالاحتقار ولا بإهدار كرامة الإنسان. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمال والخدم والأجراء، فقال: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس) رواه البخاري.
وجاء الوعيد الشديد في ظلم الأجير وتأخير حقه، فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة… ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه البخاري. فأين هذا الهدي العظيم ممن يماطلون العمال في حقوقهم ورواتبهم؟ وأين هذا الدين ممن يرهقون الأجير فوق طاقته أو يسيئون معاملته أو يبخسونه حقوقه؟
إن الإسلام يحفظ للإنسان كرامته مهما كانت مهنته، فكل عمل شريف نافع هو محل احترام وتقدير، وليس التفاضل بين الناس بالمهن والمناصب والأموال، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].
وإذا كان العالم اليوم قد خصص يوماً عالمياً للعمال، احتفاءً بالعاملين وتقديرًا لجهودهم. فإن الإسلام قبل أربعة عشر قرناً قد أكد على ضرورة تكريم العمال، وتقدير جهدهم، الاعتراف بفضلهم، وحفظ حقوقهم؛ وسبق النظم البشرية كلها في الدعوة إلى العدل والرحمة والإحسان إلى العامل.
وليس المقصود هو مجرد الشعارات والمظاهردون نشر ثقافة العدل والاحترام والإتقان وحفظ الحقوق، . فالعامل الذي يبني، والطبيب الذي يعالج، والمعلم الذي يربي، والمزارع الذي يزرع، كلهم شركاء في عمارة الأرض التي استخلف الله الناس فيها. {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} والأمم لا تنهض إلا بسواعد أبنائها وإخلاص عمالها واجتهاد شبابها، على أن الأجر الأعظم للعمال الصادقين عند الله يوم الدين، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
عباد الله: إن من أعظم ما يهدد المجتمعات المعاصرة ضعف قيمة العمل عند بعض الشباب، حتى أصبح بعضهم يبحث عن الراحة السريعة والكسب السهل دون تعب أو جهد، وانتشرت ثقافة الاتكال والتعلق بالمظاهر والترف الزائد. وهذا مخالف لهدي الإسلام الذي ربى المسلم على القوة والجدية وتحمل المسؤولية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) رواه مسلم. والقوة هنا تشمل قوة الإيمان والعلم والعمل والإنتاج وغيرها.
وقد كان السلف يكرهون الفراغ أشد الكراهية؛ لأن الفراغ يفسد الدين والأخلاق والعقول. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في عمل دنيا ولا عمل آخرة".
وإن شباب الأمة اليوم بحاجة إلى أن يدركوا أن المستقبل لا يبنى بالأحلام وحدها، وإنما يبنى بالعلم والعمل والصبر والمثابرة. وإن من نعم الله على العبد أن يرزقه مهنة شريفة أو وظيفة نافعة أو تجارة مباركة يكف بها نفسه وأهله عن الحرام والحاجة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس) رواه البخاري.
فالإسلام يريد للمسلم أن يكون عزيز النفس، بعيدًا عن الذل والمسكنة والتواكل.
كما ينبغي على الآباء والمربين أن يغرسوا في الأبناء حب العمل وتحمل المسؤولية منذ الصغر، وأن يربوهم على احترام جميع المهن النافعة، فلا يحتقروا عاملًا ولا يسخروا من صاحب حرفة، فإن الأنبياء أنفسهم عملوا بأيديهم.
فيا شباب الإسلام، اجتهدوا في طلب العلم والعمل، وأخلصوا النيات، وأتقنوا ما تقومون به، فإن الأمة تنتظر منكم البناء والنهضة والإصلاح.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد: معاشر المؤمنين: الإسلام دين العمل والبناء والإنتاج، يحفظ للعامل كرامته وحقوقه، ويربي المسلم على الإتقان والأمانة والإخلاص. وإن من الواجب علينا جميعًا أن نحوّل هذه المعاني إلى واقع عملي في حياتنا، وفي بيوتنا ومدارسنا ووظائفنا ومجتمعاتنا.
فالموظف المسلم ينبغي أن يكون مثالًا في الانضباط والصدق، والتاجر المسلم ينبغي أن يكون مثالًا في الأمانة والوفاء، والعامل المسلم ينبغي أن يكون قدوة في الإتقان والإخلاص، والمسؤول المسلم ينبغي أن يعدل بين الناس ويحفظ الحقوق ويرفع الظلم، والمجتمعات التي تنتشر فيها الأمانة والإتقان هي المجتمعات التي تحقق التقدم والازدهار بإذن الله تعالى.
كما أن من الواجب على أرباب الأعمال وأصحاب الشركات والمؤسسات أن يتقوا الله في العمال والموظفين، فيعطوهم حقوقهم كاملة، ويعاملوهم بالرحمة والعدل، وأن يتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجه. فالإسلام لا يريد علاقة قائمة على الاستغلال، وإنما يريد علاقة تقوم على الرحمة والتعاون والعدل.
أيها المسلمون: العمل النافع من أفضل ما يقرب العبد إلى الله إذا صاحبه الإخلاص والنية الصالحة، فرب عامل بسيط يرفع الله درجته بسبب صدقه وإخلاصه ونفعه للناس. وقد قال بعض السلف: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"؛ أي أنه يجعل عاداته وراحته لله تعالى إذا قصد بها الاستعانة على الطاعة والعمل.
فليجعل كل واحد منا عمله بابًا للأجر والثواب، ولينوِ به إعفاف نفسه وأهله وخدمة دينه ووطنه وأمته. واعلموا أن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى جيل يعمل بإيمان، ويتقن بإخلاص، ويبني بعلم، ويخدم مجتمعه بصدق وأمانة.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
المقالات

