استدعاؤنا للصفحات المضيئة من تاريخ أمتنا، ليس نوعاً من التغني بالماضي وحسب، ولا هو هروب من مشكلات الحاضر التي ترهقنا، وإنما هو محاولة جادة لفهم السنن التي تصنع نهضة الأمم، وأول هذه السنن والقواعد التي تشيد عليها الحضارات:
العقيدة: وهي التي صنعت الإنسان المسلم الأول، ولا شك أنها ما زالت قادرة على صناعة الإنسان؛ لأن الله كتب لها الخلود، وجعل أمتها شاهدة على البشرية، وحاملة لواء الإصلاح والتصحيح إلى قيام الساعة، فمتى ما تقدم أهل العقيدة، وأصلحوا المفاهيم، وحركوا الطاقات، وحققوا شروط الاستخلاف تحولت الشعارات من قيم محفوظة، إلى قيم حية، وسلوك عملي.
تاريخ الإسلام المشرق لم يكن مجرد صفحة انطوت، بل شاهد دائم على أن العقيدة حين تتحول إلى وعيٍ، وحركةٍ، وعملٍ، وإتقان، تصبح قادرة على صناعة الإنسان، وحينها تُصنع الحضارة، وتُكتب للأمة مكانتها بين الأمم.
إن الحضارة في جوهرها فكرةٌ قبل أن تكون بناءً، وقيم سمحة قبل أن تكون سلطةً، وهي إيمانٌ بالله، وفهم لدور الإنسان في الأرض، قبل أن تكون أدواتٍ وتقنيات، ومن هنا كانت التجربة الإسلامية واحدة من أعظم الشواهد التاريخية على قدرة العقيدة على صناعة الحضارة، وتحويل الإنسان من كائنٍ مشتتٍ في أودية العصبية الضيقة، والهوى المقيت، إلى صانعٍ للتاريخ، ووارثٍ للأرض.
إن من أعظم ما فعلته العقيدة الإسلامية، أنها بدأت من الداخل قبل الخارج، ومن بناء الإنسان قبل تشييد البنيان.
لقد ظهر الإسلام في بيئةٍ لم تكن تمتلك من أسباب القوة المادية ما يؤهلها لقيادة العالم، كانت الجزيرة العربية بعيدة عن مراكز الحضارات الكبرى في فارس، والروم، وتعاني من التفرق القبلي، والتنازع الاجتماعي، لكن العقيدة التي جاء بها القرآن صنعت انقلاباً هائلاً في النفس الإنسانية، فغيّرت نظرة الإنسان إلى ذاته، وإلى الكون، وإلى الحياة، ولم يكن التغيير موجهاً إلى السلوك الفردي فحسب، بل إلى بناء أمة تحمل رسالة، وتنهض بمسؤولية الاستخلاف في الأرض، وإخراج الناس من عبادة العباد، إلى عباد رب العباد.
يقول الله جل جلاله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد -11) ، وهذه الآية تمثل قانوناً حضارياً عظيماً؛ إذ تجعل نقطة البداية في النهضة هي الإنسان نفسه، وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة:
| أقبل على النفس واستكمل فضائلها | فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان | |
ومن يتأمل تاريخ المسلمين يدرك أن العقيدة لم تكن عنصراً هامشياً في نهضتهم، بل كانت القوة المحركة لكل إنجازاتهم، فحين آمن الصحابة أن الإنسان مستخلف في الأرض، وأن طلب العلم عبادة، وأن العمل الصالح يشمل عمارة الدنيا كما يشمل صلاح الآخرة، انطلقت حركة حضارية غير مسبوقة، فشُيّدت المدن، وأُسست المدارس، وازدهرت العلوم، وامتدت جسور التجارة، والمعرفة من الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً.
والأكيد أن الإسلام لم يأتِ ليصنع دراويش يعتزلون الحياة، وإنما جاء ليصنع أمة شاهدة على الناس، فالإيمان الحق، يولّد العقل المنتج، والضمير الحي، والإرادة الفاعلة؛ ولهذا نرفض الفصل بين الدين والحضارة، ونرى أن تخلف المسلمين لم يكن بسبب تمسكهم بدينهم، بل بسبب ابتعادهم عن حقائقه الكبرى، وروحه المحركة.
ولعل من أروع تجليات أثر العقيدة في صناعة الحضارة ذلك الانفجار العلمي الذي شهده العالم الإسلامي في عصوره الزاهرة. فلم يكن طلب العلم عند المسلمين ترفاً فكرياً، أو وسيلةً للثراء، بل كان جزءاً من التكليف الشرعي، وقد ارتبطت أول كلمة نزلت من الوحي بالأمر بالقراءة، وكأن الرسالة الجديدة تعلن منذ لحظتها الأولى أن الجهل عدو الحضارة الأول.
ولهذا نشأت المدارس، والمكتبات ودور الحكمة، وظهر علماء جمعوا بين الإيمان العميق، والعقل المبدع، فبرعت الأمة في علوم دنيوية، مع المعارف الشرعية: كعلوم الطب، والفلك، والهندسة، والرياضيات، والجغرافيا، ولم ير المسلمون تعارضاً بين الدين، والعلم أبداً؛ لأن العقيدة نفسها كانت تدعو إلى النظر في الكون واكتشاف سننه.
ويكفي أن نتأمل ما كتبه العلماء المسلمون في مختلف الفنون؛ لندرك أن العلم كان عندهم لوناً من ألوان العبادة، ومن هنا استطاعت الأمة أن تقود حركة المعرفة الإنسانية قروناً طويلة، وأن تقدم للبشرية نموذجاً فريداً في التفاعل بين الإيمان والعقل.
ولعل من أعظم ما صنعته العقيدة الإسلامية، أنها حررت الإنسان من العبوديات الأرضية، فقد أخرجته من عبودية القبيلة، إلى عبودية الله، ومن ضيق المصالح الخاصة إلى سعة ونبل المقصد الإسلامي، والأخوة الإيمانية التي تلغي فوارق العرق، واللون، الجغرافيا، وحين يتحرر الإنسان من الخوف، والطمع، والهوى، يصبح قادراً على الإبداع، والعطاء.
قاد علماء الأمة مشروع نهضتها، جنباً إلى جنب مع القادة الفاتحين، ولم يكونوا مجرد موظفين لدى الدولة، بل كانوا أصحاب رسالة؛ فكان العالِم يرى في اكتشافه عبادة، ويرى في علمه خدمة للإنسانية.
ومن هنا اتسق الأمر للأمة يوم أن ملكت الوسائل، واستلهمت الطريق عبر الموجه الرباني الذي هو الدين، فسادت الدنيا في سنوات قليلة بفتح إسلامي، عنوانه الرحمة، وطريقه الاصلاح، والشفقة بعباد الله.
واليوم، في زمن التحديات الفكرية والثقافية الكبرى، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة هذا المعنى العميق للعقيدة، لا بوصفها حنيناً إلى الماضي، بل باعتبارها قوة دافعة للمستقبل، فالأمم لا تُبعث من جديد بترديد أمجادها فقط، وإنما بإحياء القيم التي صنعت تلك الأمجاد.
لقد أثبت التاريخ أن العقيدة الإسلامية حين تسكن القلوب، وتوجّه العقول، وتضبط السلوك، تتحول إلى قوة بناءٍ هائلة، تخرج الإنسان من هامش التاريخ إلى صناعته؛ ولذلك لم يكن العصر الإسلامي المشرق معجزةً تاريخية عابرة، بل كان ثمرةً طبيعية لعقيدةٍ صنعت الإنسان، وحين صنعت الإنسان صنعت الحضارة.
لقد ربط الإسلام بين التقدم والقيم، وبين العمران والأخلاق؛ لذلك كان العدل أحد أعمدة الحضارة الإسلامية الكبرى، ولم يكن الناس يدخلون في الإسلام بسبب قوة الجيوش وحدها، بل بسبب ما كانوا يرونه من عدالة المسلمين، وأمانتهم، وصدقهم في التعامل.
المقالات

