يُروى أن طفلاً طرح سؤالاً افتراضياً على والده: إذا كنت تقود سيارة لا تتسع إلا لشخص واحد، ومررت بامرأة عجوز تحتاج إلى إسعاف عاجل، وصديق قديم أنقذ حياتك يوماً، وشخصية عظيمة تتمنى مصاحبتها، فمن ستختار؟ بدا السؤال كأنه فخٌّ منطقي لا يسمح إلا بخسارة أحد الأطراف، لكن الجواب جاء مختلفاً؛ إذ يمكن تسليم السيارة للصديق لينقل العجوز إلى المستشفى، بينما يبقى السائل مع الشخصية التي يود مصاحبتها بانتظار وسيلة نقل أخرى.
هذه الحكاية البسيطة تكشف حقيقة عميقة: كثير من مشكلاتنا لا تنشأ من قلة الحلول، بل من ضيق أفقنا في البحث عنها، فنحن كثيراً ما نقع أسرى لمنطق "إما... أو"، ونغفل عن أن الواقع أكثر ثراءً، وتعقيداً، من الثنائيات الجامدة التي نرسمها في أذهاننا.
في كثير من الأحيان لا تُقاس حكمة الإنسان بما يملكه من أجوبة جاهزة، بل بما يملكه من قدرة على اكتشاف الخيارات التي لا يراها الآخرون، فالحياة لا تُبنى على الاختيارات الحادة التي تحصر الإنسان بين طريقين متقابلين، وإنما تتشكل في مساحاتها الواسعة من خلال القدرة على إيجاد البدائل، وإعادة ترتيب الأولويات، والنظر إلى الواقع من زوايا متعددة.
وبالتالي شرع الإسلام، وأوجد الخيارات، حتى في موضوع الكفارات الشرعية فينتقل بالإنسان من الأصعب للأسهل: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}(المجادلة - 3) ، فالكفارات توفر للإنسان بدائل لينتقل من العسر إلى اليسر، بطرق فقهية تراعي ظروف الإنسان، و ترفع عنه الحرج.
ومع ذلك تربت أجيال منا كثيرة على ثقافة التصنيف الحاد: صواب، أو خطأ، نجاح أو فشل، صديق أو عدو، أبيض أو أسود، ومع مرور الزمن تتحول هذه الثنائية إلى طريقة في التفكير تجعل الإنسان عاجزاً عن رؤية المناطق الوسطى التي تزخر بالفرص والإمكانات، والحقيقة أن الحياة ليست لوحة مرسومة بلونين فقط، وإنما هي طيف واسع، من الدرجات، والاحتمالات.
ومن هنا تبرز قيمة المرونة بوصفها إحدى أهم خصال النضج العقلي والإنساني. والمرونة لا تعني التنازل عن المبادئ، كما لا تعني التردد أو ضعف الشخصية، وإنما تعني القدرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت، والانتقال بين الوسائل المختلفة لتحقيق الأهداف المشروعة.
وقد وعى التراث العربي والإسلامي هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فامتلأت الأمثال والحكم بالدعوة إلى التوازن والاعتدال، وكان العرب يقولون: "لا تكن يابساً فتُكسر، ولا رطباً فتُعصر"، وهي عبارة تختزل فلسفة كاملة في التعامل مع الحياة، فاليابس الذي لا يعرف التكيف سرعان ما يتحطم أمام العواصف، بينما يفقد الرخو المفرط قدرته على الثبات، أما الحكمة فتكمن في الجمع بين الصلابة في المبدأ، والمرونة في الأسلوب.
إن المرونة العقلية من أهم مقومات النجاح في العصر الحديث، فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، وما كان صالحاً بالأمس قد يحتاج إلى مراجعة اليوم، والإنسان المرن لا يتشبث بالأفكار لمجرد أنه اعتادها، بل يراجعها، ويختبرها، ويطورها كلما ظهرت معطيات جديدة؛ ولذلك كانت القدرة على تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى المشكلة إحدى أعظم مهارات التفكير المعاصر.
ولعل من أخطر صور الجمود أن يتحول الإنسان إلى أسير للعادات الذهنية التي ألفها، فهناك من لا يرى إلا طريقة واحدة للعمل، أو تفسيراً واحداً للأحداث، أو حكماً واحداً على الناس، ومع الزمن يصبح العقل سجناً لصاحبه، بدلاً من أن يكون أداة لاكتشاف الآفاق الجديدة، أما المرونة فتمنح العقل حرية الحركة، وتجعله أكثر قدرة على الإبداع والابتكار.
ولا يقتصر أثر المرونة على التفكير الفردي، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية أيضاً، فالحياة بين الناس لا تستقيم إذا تعامل المرء مع الآخرين وفق صورة مثالية يتخيلها لهم، ثم يغضب كلما خالفوا توقعاته، إن النضج الاجتماعي يبدأ حين ندرك أن البشر ليسوا نسخاً متطابقة، وأن لكل إنسان ظروفه، وطباعه، وحدوده، وقدراته.
ومن علامات الحكمة أن يتعلم الإنسان قبول الناس كما هم، لا كما يشتهي أن يكونوا، فالإفراط في العتاب، وكثرة المحاسبة، والتدقيق المستمر في تصرفات الآخرين، كلها مظاهر تنشأ من جمود التوقعات أكثر مما تنشأ من أخطاء الناس أنفسهم، أما المرونة فتجعل صاحبها أكثر رحابة، وأقدر على حفظ العلاقات وتجاوز الهفوات الصغيرة.
وفي ميدان الحوار تبدو قيمة المرونة أكثر وضوحاً، فالمتعصب لرأيه لا يرى إلا نفسه، ويظن أن الحقيقة كلها قد استقرت بين يديه، أما المرن فيدرك أن الآخرين قد يملكون جزءاً من الحقيقة، وأن الاستماع لا يقل أهمية عن الكلام، وأن مراجعة المواقف ليست هزيمة بل شجاعة فكرية.
واللافت أن المرونة ليست مجرد مهارة ذهنية، بل هي أسلوب حياة كامل، فالإنسان المرن أكثر قدرة على التكيف مع ظروف السفر، واختلاف البيئات، وتنوع الثقافات، وتبدل الأحوال، وهو أقل شكوى وتذمراً، وأكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف؛ ولذلك ترتبط المرونة غالباً بالسعادة النفسية؛ لأن صاحبها لا يدخل في صراع دائم مع الواقع، بل يتعامل معه بوعي وثقة وهدوء.
إن العالم المعاصر لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يحفظون الإجابات، بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يجيدون طرح الأسئلة، واكتشاف البدائل، وكسر القوالب الجامدة، فالنجاح ليس دائماً في اختيار أحد الطريقين المعروضين أمامنا، بل قد يكون في اكتشاف طريق ثالث لم يفكر فيه أحد.
وهكذا تبقى المرونة إحدى أجمل ثمار النضج الإنساني؛ فهي التي تمنح العقل حيويته، والعلاقات دفئها، والحياة اتساعها، وما دام الإنسان قادراً على رؤية أكثر من احتمال، وأكثر من زاوية، وأكثر من حل، فإنه يظل قادراً على النمو والتجدد ومواصلة السير في عالم لا يكف عن التغير.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}(هود - 118).
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

