الخطبة الأولى
الحمد لله الذي دلَّ عباده على معرفته بالفطرة والعقل، ونصب لهم من الآيات ما يشهد بوحدانيته وربوبيته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قامت الأدلة على وجوده في كل شيء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دعا إلى توحيد ربه بالحجة والبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى ليس قضية معقدة تحتاج إلى فلسفات طويلة، ولا جدلٍ عقلي متكلف، ولا مصطلحات غامضة يعجز عنها عامة الناس، بل هو أصل مركوز في الفطر، تشهد له العقول السليمة، وتدل عليه الآيات الباهرة في الأنفس والآفاق، بل إن وجود الله أوضح من أن يُستدل عليه، لأنه حقيقة قائمة في كل شيء، لا ينفك عنها الكون لحظة واحدة، ولا تقوم الحياة إلا بها، قال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [إبراهيم: 10]، فأنكر سبحانه مجرد الشك فيه، لأن دلائل وجوده ظاهرة لا تخفى، وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، فكل ما في هذا الكون من نظام وإتقان، وخلقٍ دقيق، وسنن ثابتة، هو شاهد ناطق بوجود الله، ودليل قاطع على وحدانيته.
والإنسان قد يغفل، وقد ينشغل، وقد تتخطفه الشبهات، لكن أصل المعرفة بالله لا يزول من قلبه، بل يبقى كامناً ينتظر من يوقظه، ولهذا كان أعظم الانحراف ليس في الجهل بوجود الله، بل في الإعراض عنه مع وضوح دلائله، وطمس هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
أيها المسلمون: إن أول دليل على وجود الله هو دليل الفطرة، تلك الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها، والتي لا تحتاج إلى تعليمٍ سابق، ولا إلى برهانٍ معقد، بل هي شعور داخلي راسخ، يعرف به الإنسان أن له ربا خالقاً معبوداً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) رواه البخاري، وقال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، فهذه الفطرة أصل ثابت في النفوس، وإن طرأ عليها ما يغيّرها.
فكل إنسان في أعماقه يعلم أن له ربًا خلقه، ويرزقه، ويدبر أمره، وإن جحد ذلك بلسانه أو أنكره بعقله، فإن فطرته لا تكذب، ولهذا إذا نزلت به الشدائد، وانقطعت عنه الأسباب، وبلغت به الكروب مبلغها، رجع إلى ربه بلا تكلّف، ورفع يديه إليه دون أن يُعلَّم، واستغاث به دون أن يُلقَّن، كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وقال سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: 67]، فهذه اللحظات تكشف حقيقة الإنسان، وتُظهر فطرته، وتُبيّن أنه مهما ابتعد، فإنه يعود إلى ربه عند الشدائد، لأن الفطرة لا تموت، وإنما قد تُغطّى وتُضعف، فإذا زالت الموانع، عادت إلى الظهور، ولهذا كان من أعظم الواجبات على العبد أن يحافظ على فطرته، وأن يغذيها بالإيمان، وأن يحميها من الشبهات والشهوات، حتى تبقى حيةً في قلبه، تقوده إلى معرفة ربه، وتعظيمه، والإنابة إليه.
أيها المؤمنون: وأما الدليل الثاني فهو دليل العقل، ذلك العقل الذي وهبه الله للإنسان ليهتدي به إلى ربه، فإذا استُعمل استعمالًا صحيحًا، دلّ صاحبه على أعظم الحقائق، ومن أولها: أن هذا الكون لا يمكن أن يوجد صدفة، ولا أن ينشأ بلا سبب، ولا أن يخلق نفسه بنفسه، فإن الشيء لا يُوجد نفسه، ولا يُعطي ما لا يملك، قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، وهذا استفهام يهدم أصول الإلحاد من جذورها، لأنه يحصر الاحتمالات في ثلاثة: إما أنهم خُلقوا بلا خالق، وهذا محال، أو خلقوا أنفسهم، وهذا أشد استحالة، فلم يبق إلا أن لهم خالقًا خارجًا عنهم، متصفًا بالقدرة والعلم والحكمة، وهو الله سبحانه. فالعقل الصريح لا يمكن أن يقبل أن يكون هذا الكون المنظم، بهذا الإتقان العجيب، وليد صدفة عمياء، أو نتيجة فوضى بلا تدبير.
عباد الله: ومن أعظم ما يدل على وجود الله إتقان هذا الكون ونظامه البديع، فكل ما في هذا الكون يسير وفق نظام دقيق، لا يختل ولا يضطرب، السماوات مرفوعة بلا عمد، والأرض ممهدة للعيش، والليل والنهار يتعاقبان بانتظام، والشمس والقمر يجريان بحساب، والإنسان خُلق في أحسن تقويم، بكل أجهزته الدقيقة ووظائفه المتناسقة، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، فهل يعقل أن يكون هذا كله بلا خالق؟! أو أن يكون وليد الصدفة؟! إن الصدفة لا تُنتج نظامًا، ولا تُنشئ إحكامًا، ولا تُوجد هذا التناسق العجيب، بل العقل السليم يقطع بأن وراء هذا الكون خالقًا حكيمًا، عليمًا، قادرًا، دبّر كل شيء بحكمة، وقدّره تقديرًا.
أيها المسلمون: إن هذه الأدلة ليست مجرد معلومات تُحفظ، ولا دروسًا تُلقى ثم تُنسى، بل هي حقائق ينبغي أن تستقر في القلوب، وأن تتحول إلى يقينٍ حيّ، يظهر أثره في السلوك، وفي العلاقة مع الله، فمن عرف الله بالفطرة والعقل، وأنه الخالق الرازق المدبر، وجب عليه أن يفرده بالعبادة، وأن يخضع له، وأن يطيعه، وأن يعظمه، لأن العلم بالله يوجب الانقياد له، ولهذا كان أعظم الانحراف في حياة الإنسان ليس في إنكار وجود الله فقط، بل في الإعراض عن عبادته مع الإقرار به، وفي مخالفة أمره مع العلم به، وهذا هو حال كثير من الناس، يعلمون أن لهم ربًا، ولكنهم لا يعبدونه حق عبادته، ولا يعظمونه حق تعظيمه، فكان واجبًا عليهم أن يجددوا هذا الإيمان، وأن يحيوا هذه المعاني في قلوبهم، حتى تتحول من معرفة نظرية إلى عبودية عملية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: إن أعظم ما ينبغي أن نعتني به في هذا الزمن هو تعزيز الإيمان في القلوب، وترسيخ اليقين بوجود الله، في زمن كثرت فيه الشبهات، وضعفت فيه الصلة بالله، وذلك يكون بتعليم الأبناء دلائل الإيمان، وربطهم بآيات الله في الكون، وتعويدهم على التفكر، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191]، وإن من الخطأ أن نظن أن الإيمان أمر فطري لا يحتاج إلى عناية، بل الفطرة قد تُطمس، والعقل قد يُشوش، فإذا لم يُغذَّ الإيمان، ضعُف، وإذا لم تُدفع الشبهات، تسربت إلى القلوب، ولهذا كان من الواجب على الآباء والمربين أن يغرسوا في النفوس اليقين بالله، لا بالتلقين فقط، بل بالبيان، والحوار، والربط بالواقع. وإن من أعظم ثمرات الإيمان بالله: الطمأنينة، والثبات، واليقين، فإن من عرف ربه، اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم تضطرب أمام الفتن، لأنه يعلم أن له ربًا يدبر أمره، ويرعاه، ويحفظه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

