الخطبة الأولى
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وجعل الأولاد أمانةً في أعناق آبائهم وأمهاتهم، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: اتقوا الله حق تقاته فهي طريق الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
أما بعد:
معاشر المؤمنين: إن من أعظم ما يُبتلى به كثير من الأسر اليوم أن تتحول الإجازة الصيفية إلى فراغٍ طويل، ووقت مهدر، وسهرٍ مُضيع، ولهوٍ بلا هدف، حتى يخرج الابن من إجازته وقد خسر دينه أو أخلاقه أو صحته أو وقته.
والإجازة ليست وقتًا ميتًا، بل هي موسم تربية وبناء، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسيرها: "علِّموهم وأدِّبوهم". فالوالدان مسؤولان أمام الله عن أبنائهما: ماذا تعلموا؟ ومن صاحبوا؟ وكيف قضوا أوقاتهم؟ وقد قال النبي ﷺ: (ما نحل والدٌ ولدَه أفضلَ من أدبٍ حسن) رواه الترمذي، عن عمرو بن سعيد رضي الله عنه.
وإن من حسن إدارة الإجازة أن يضع الأبوان خطة واضحة تشمل: أوقات العبادة، وحفظ القرآن، والقراءة، والرياضة، والمهارات، والرحلات النافعة، والزيارات العائلية، وأعمال الخير.
وليس المقصود أن يعيش الأبناء في ضغط دائم، وإنما أن تُوازن الأسرة بين الترفيه المباح والتربية الهادفة. وقد كان السلف يربون أبناءهم على اغتنام الأوقات، قال الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك".
قال الشاعر:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنِّي *** ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا
أيها المسلمون: ومن أنفع ما تستثمر فيه الإجازة الصيفية البرامج الإيمانية والعلمية؛ كحلقات القرآن، والدورات الشرعية، والمخيمات التربوية، والنوادي الصيفية النافعة، فإنها تجمع بين المتعة والفائدة، وتغرس في الأبناء حبَّ المسجد والقرآن والصحبة الصالحة. وقد قال النبي ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وإن من الخطأ أن ينشغل الوالدان بتوفير الكماليات، ثم يهملا بناء الإيمان والأخلاق في قلوب الأبناء، فإن أعظم ميراث يتركه الوالدان هو الدين والصلاح.
كما ينبغي تشجيع الأبناء على القراءة، وتعلم المهارات، والرياضة، والأعمال التطوعية، وزيارة المرضى، ومساعدة المحتاجين، ليشعروا بمسؤوليتهم تجاه مجتمعهم. والإجازة فرصة لاكتشاف المواهب؛ فربما كان في البيت حافظ قرآن، أو خطيب، أو مبرمج، أو طبيب المستقبل، أو صاحب مشروع نافع، لكن هذه المواهب تحتاج إلى رعاية وتوجيه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، والمقصود العناية بما يقوي البدن والشخصية وينفع الأمة.
وإن من أعظم أسباب ضياع الإجازات الإدمان الرقمي؛ ساعات طويلة أمام الألعاب ومقاطع الترفيه، حتى يضعف التركيز، وتقل الهمة، وتضيع الصلوات، وتفسد الأخلاق أحيانًا، فليتق الله الآباء والأمهات، وليضعوا ضوابط حكيمة لا قسوة فيها ولا تسيب.
معاشر المؤمنين: والإجازة ليست للأبناء وحدهم، بل هي فرصة لتقوية الروابط الأسرية والعائلية، فكثير من البيوت يجتمع أهلها في مكان واحد وقلوبهم متباعدة؛ كل واحد مع هاتفه وشاشته. فليجعل الوالدان من الصيف موسمًا للحوار، والجلوس مع الأبناء، وسماع مشكلاتهم، وتعليمهم آداب الإسلام، والخروج معهم في رحلات نافعة، وزيارة الأقارب، وصلة الأرحام، فإن صلة الرحم من أعظم القربات، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وقال النبي ﷺ: (من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه.
كما أن مشاركة الأب لأبنائه في الرياضة أو القراءة أو الرحلات الهادفة، ومشاركة الأم لبناتها في التعلم والمهارات والأعمال المنزلية النافعة، يزرع المحبة والثقة والانتماء للأسرة. وإن الأمة لا تُبنى بالخطب والشعارات فقط، بل تُبنى ببيت صالح، وأبٍ قدوة، وأمٍ مربِّية، وولدٍ مستقيم. فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ أن يخرج أبناؤكم من هذه الإجازة وقد ازدادوا قرآنًا، وخلقًا، وعلمًا، وصحةً، وبرًّا بوالديهم، ومحبةً لدينهم ووطنهم وأمتهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات والبركات، أحمده سبحانه على ما أولى من النعم، وأشكره على ما أسدى من الإحسان والكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل صلاح الأسر أساسًا لصلاح المجتمعات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، خير مربٍّ، وأكمل معلِّم، وأعظم قدوة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله وراقبوه في السر والعلانية، واعلموا أن تقوى الله خير زادٍ ليوم المعاد، وأن من اتقى الله جعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.
أما بعد:
أيها المسلمون: لقد تبين لنا أن الإجازة الصيفية ليست زمنًا للفراغ، ولا مناسبة للهو والضياع، وإنما هي فرصةٌ عظيمة لبناء الإيمان، وصناعة الشخصية، وغرس القيم، واكتشاف المواهب، وإعداد جيلٍ يحمل دينه وأخلاقه وعلمه، ويكون نافعًا لأسرته ومجتمعه وأمته. وإن مما يؤسف له أن بعض الآباء والأمهات يفرحون بانتهاء الدراسة، ثم يتركون أبناءهم نهبًا للأجهزة الذكية، والألعاب الإلكترونية، ومنصات التواصل، والمسلسلات، والمقاطع الهابطة، فلا رقيب ولا توجيه، حتى تمر الإجازة وقد ضعفت الصلة بالله، وقلَّت العناية بالصلاة، وضاع الوقت فيما لا ينفع، وربما انجرف بعض الأبناء إلى صحبة السوء، أو الأفكار المنحرفة، أو العادات السيئة، وكل ذلك بسبب الغفلة عن واجب التربية.
ولقد حمَّل الله الوالدين مسؤولية عظيمة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، وقال رسول الله ﷺ: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فالأب راعٍ في بيته، والأم راعية في بيت زوجها، وكل واحد منهما مسؤول أمام الله عن هذه الأمانة، ولن تنفع الأعذار يوم القيامة إذا قصَّر في تعليم أبنائه، أو أهمل أخلاقهم، أو تركهم فريسةً للفراغ والانحراف.
ومن هنا؛ فإن من حسن إدارة الإجازة أن تجلس الأسرة قبل بدايتها، فتضع برنامجًا متوازنًا يراعي حاجات الأبناء المختلفة؛ فيكون فيه نصيبٌ للعبادة، ونصيبٌ للعلم، ونصيبٌ للرياضة، ونصيبٌ للترفيه المباح، ونصيبٌ لخدمة الوالدين، وصلة الأرحام، والمشاركة في الأعمال التطوعية، والرحلات الهادفة، والقراءة، وتنمية المهارات، حتى يشعر الأبناء أن الإجازة انتقالٌ من تعليمٍ مدرسي إلى تعليمٍ حياتي، ومن واجباتٍ دراسية إلى مسؤولياتٍ تربوية واجتماعية.
وما أجمل أن يكون للأب مع أبنائه مجلسٌ يوميٌّ يقرأون فيه شيئًا من القرآن الكريم، أو من سيرة النبي ﷺ، أو من قصص الصحابة رضي الله عنهم، أو من سير العلماء والعظماء، فإن القلوب تتربى بالقدوات أكثر مما تتربى بالكلمات، وما أجمل أن تصحب الأم بناتها في تعلم ما ينفعهن من أمور الدين والدنيا، وأن تغرس فيهن الحياء، والعفة، وحسن الخلق، وإتقان أعمال البيت، والاعتماد على النفس، فإن هذه المعاني هي التي تصنع المرأة الصالحة، والأم المربية، والزوجة الناجحة.
معاشر المؤمنين: إن من أعظم ثمار الإجازة الناجحة أن يعود الأبناء إلى مدارسهم وقد ازدادوا إيمانًا، وحفظًا للقرآن، وبرًّا بوالديهم، وحسنًا في أخلاقهم، وثقةً بأنفسهم، وقد اكتسبوا مهارةً جديدة، أو عادةً حسنة، أو خلقًا كريمًا، أما إذا رجعوا وقد ضاعت صلواتهم، وسهرت لياليهم، وفسدت ألسنتهم، وضعفت هممهم، وأدمنوا الشاشات، فقد كانت الإجازة خسارةً عليهم وعلى أسرهم.
وليعلم الآباء والأمهات أن الأبناء لا يتعلمون بالأوامر وحدها، وإنما يتعلمون بالقدوة الحسنة؛ فإذا رأى الابن أباه محافظًا على الصلاة، حاضرًا إلى المسجد، محبًّا للقرآن، حريصًا على وقته، بارًّا بوالديه، كريمًا في أخلاقه، انعكس ذلك على سلوكه، وإذا رأت البنت أمها محافظةً على حجابها، وعفافها، وذكرها لله، وإحسانها إلى زوجها وأولادها، نشأت على تلك الأخلاق الفاضلة. ولهذا قال بعض السلف: "صلاح الآباء من أعظم أسباب صلاح الأبناء."
وينشأ ناشئُ الفتيانِ منَّا *** على ما كان عوَّده أبوهُ
فليكن كل واحدٍ منا قدوةً صالحةً في بيته، قبل أن يطالب أبناءه بالاستقامة.
ثم اعلموا -رحمكم الله- أن الإجازة فرصةٌ لإحياء معاني التكافل الاجتماعي؛ فزوروا أقاربكم، وصلوا أرحامكم، وعودوا مرضاكم، وأكرموا جيرانكم، واصحبوا أبناءكم معكم في هذه الأعمال؛ ليتعلموا البر، والرحمة، والإحسان، فإن التربية بالمواقف العملية أبلغ أثرًا من آلاف الكلمات.
وأكثروا من الدعاء لأبنائكم، فإن دعاء الوالدين من أعظم أسباب صلاح الذرية، وقد كان من دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. وكان زكريا عليه السلام يدعو ربه قائلًا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].
وصلوا وسلموا على نبيكم؛ امتثالًا لأمر ربكم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

