الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ربيع الأنوار، وموسم تجديد الاتباعِ للنبي المختار ﷺ

ربيع الأنوار، وموسم تجديد الاتباعِ للنبي المختار ﷺ

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أحمده سبحانه على نعمة الإسلام، وأشكره على بعثة خير الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل محبة نبيه صلى الله عليه وسلم من كمال الإيمان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن الله سبحانه وتعالى جعل الأيام والشهور تتعاقب، وجعل في تعاقبها عبرًا لأولي الألباب، قال تعالى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]. وليس في الشريعة شهرٌ يقدس لذاته إلا ما دل الدليل على فضله، غير أن بعض الشهور اقترنت بأحداث عظيمة في تاريخ الإسلام، فتذكرها يبعث في النفوس معاني الإيمان والاقتداء، ومن ذلك شهر ربيع الأول، الذي ارتبط في وجدان المسلمين بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية، وهي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال الله تعالى في شأنه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].

إن مولد النبي صلى الله عليه وسلم نعمة عظمى تستوجب شكر الله تعالى، إذ أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وكان العرب قبل بعثته في جاهلية جهلاء، يعبدون الأصنام، ويقطعون الأرحام، ويستحلون الدماء، فلما أشرق نور النبوة تبدلت الأحوال، وارتفعت راية التوحيد، وانتشر العدل والرحمة، حتى قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي يصف حالهم: "كنا قومًا أهل جاهلية..." ثم ذكر كيف أنقذهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك فإن الحديث عن ربيع الأول ليس حديثًا عن مناسبة تاريخية مجردة، وإنما هو حديث عن رسالة خالدة، ومنهج حياة، وهداية ربانية، فليس المقصود أن نتذكر يومًا من أيام التاريخ، وإنما أن نجدد العهد مع السنة، وأن نحيي في قلوبنا محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نترجم هذه المحبة إلى طاعة واتباع واستقامة، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) متفق عليه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. فمحبته ليست دعوى باللسان، وإنما هي التزام بهديه، ووقوف عند سنته، وتعظيم لأمره ونهيه.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم." وهذه كلمة جامعة تبين أن الخير كل الخير في لزوم السنة، وأن الزيادة في الدين ليست من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، بل من مخالفة هديه، إذ لم يترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه.

وقال الشاعر:
هُوَ الحَبيبُ الذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ *** لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهْوَالِ مُقْتَحَمِ
دَعَا إِلَى اللَّهِ فَالْمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ *** مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْفَصِمِ

فنسأل الله أن يملأ قلوبنا بمحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلها محبةً صادقةً تُثمر اتباعًا واستقامةً وثباتًا على الحق.

أيها المسلمون: إن المتأمل في شهر ربيع الأول يجد أنه لم يقترن في السيرة النبوية بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل اقترن كذلك بأحداث عظيمة غيَّرت مجرى التاريخ، وأرست قواعد الدولة الإسلامية، ورسخت معالم الدعوة والتمكين. ففيه كانت الهجرة النبوية التي انتقل بها الإسلام من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الأمة والدولة، وفيه وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، ثم دخل المدينة المنورة، فاستقبله أهلها بالحب والإيمان، وأسس فيها أول مجتمع يقوم على العقيدة والأخوة والعدل، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأقام المسجد، وجعل القرآن والسنة دستور الحياة. قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ...} [الحشر: 8]، ثم قال في الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ...} [الحشر: 9].

ولم تكن الهجرة انتقالًا من مكان إلى مكان، وإنما كانت انتقالًا من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجاهلية إلى نور الإسلام، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة." فكانت الهجرة بداية بناء المجتمع المسلم الذي يقوم على الإيمان والعدل والتكافل.

وفي هذا الشهر أيضًا ختم الله حياة خير خلقه صلى الله عليه وسلم، فكانت وفاته أعظم مصيبة نزلت بالأمة، حتى قال أنس رضي الله عنه: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء" رواه الترمذي.

ومع عظم المصاب، علَّم الله الأمة أن تعلقها إنما يكون بربها لا بالأشخاص، وهذا ما دل عليه قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...} [آل عمران: 144]، فتلاها أبو بكر رضي الله عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم الصحابة أن الرسالة باقية، وأن الدين محفوظ، وأن الواجب هو الثبات على الكتاب والسنة.

ومن هنا فإن شهر ربيع الأول يذكرنا بثلاث نعم عظيمة: نعمة مولده، ونعمة الهجرة، ونعمة كمال الدين الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، قال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي)، وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات، لكنها محبة منضبطة بالشرع، لا بالعواطف المجردة، ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الاثنين قال: (ذاك يوم ولدت فيه، ‌ويوم ‌بعثت ‌فيه، ويوم أنزل علي فيه) رواه مسلم، من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
فكان شكره لله على نعمة مولده بالصيام والعبادة، ولم ينقل عنه، ولا عن أصحابه، ولا عن الخلفاء الراشدين، أنهم خصصوا يوم مولده باحتفال أو اجتماع تعبدي أو شعائر مخصوصة، مع أنهم كانوا أشد الناس حبًا له وتعظيمًا لقدره.

ولهذا قرر أهل العلم أن أفضل ما يعبر به المسلم عن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم هو الإكثار من اتباع سنته، والاقتداء بهديه، والصلاة والسلام عليه، وتعلم سيرته، ونشر أخلاقه، والدعوة إلى شريعته، والعمل بما جاء به. قال الإمام مالك رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

قال الإمام الشافعي رحمه الله:
تعصي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ *** هذا لعمري في القياسِ بديعُ
لو كان حبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ *** إنَّ المحبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ

فالمحبة الصادقة ليست أناشيد تُتلى، ولا شعارات تُرفع، وإنما هي طاعةٌ واتباع، وأدبٌ مع السنة، وتعظيمٌ لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصٌ على نشر هديه في البيوت، وتربية الأبناء على أخلاقه، والاقتداء بعبادته، ورحمته، وعدله، وصدقه، وأمانته، وسائر أخلاقه الحسنة، وصفاته العالية.

معاشر المؤمنين أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، امتثالًا لأمر الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا) رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

واحرصوا على قراءة السيرة النبوية، وتعليمها للأبناء، وربط الأجيال بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم، لا على أنها أحداث تاريخية فحسب، بل على أنها منهج حياة، يربي على العقيدة، والخلق، والعمل، والجهاد، والصبر، والدعوة، والإحسان.

وتمثلوا هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم وانشروا سنته بين الناس، فإن الدال على الخير كفاعله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) رواه مسلم، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

فلنجعل من ربيع الأول محطةً لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومراجعة أنفسنا: هل أخلاقنا تشبه أخلاقه؟ وهل بيوتنا عامرة بسنته؟ وهل أبناؤنا يعرفون سيرته كما يعرفون سير المشاهير؟ وهل نُعظِّم أوامره ونواهيه كما ينبغي؟ فإن الأمة لا تُبعث من جديد إلا إذا عادت إلى هدي نبيها، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

اتقوا الله عباد الله: واعلموا أن أعظم ما يُستقبل به شهر ربيع الأول هو شكر الله على نعمة بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتجديد محبته في القلوب، وإحياء سنته في البيوت والمجتمعات، فإن المحبة الصادقة تثمر الاتباع، والاتباع سبب لمحبة الله تعالى، كما قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

معاشر المؤمنين: إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام سيرة نبيها في أخلاقها، ووحدتها، وتربيتها، ودعوتها، وتعاملها مع الناس، فإن سيرته ليست للتاريخ، بل للحياة، وليست للمجالس الموسمية، بل لتكون منهاجًا دائمًا.

فأكثروا من الصلاة والسلام عليه، وأحيوا سننه، وعلموا أبناءكم سيرته، فإن خير الهدي هديه، وخير الطريق طريقه.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة