الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الستر بين نداء الفطرة وضجيج العصر

الستر بين نداء الفطرة وضجيج العصر

الستر بين نداء الفطرة وضجيج العصر

دين الإسلام جاء بالعفة، والستر، والحياء، وكَمّل أخلاق البشر في الحياء، وحب التستر، والعفة، وعشنا على ذلك قرون متطاولة، حتى فوجئنا مع دخول الحداثة، بعاصفة التبرج، والسفور، ولم يعد التعري في عالم اليوم مجرد سلوك فردي، أو نزعة شخصية، بل تحول في بعض البيئات الثقافية، إلى خطاب فكري متكامل، تُنسج حوله الشعارات، وتُكتب له الكتب، وتُقام من أجله الفعاليات، والاحتجاجات، وتحشد له الأفلام والمسلسلات، حتى غدا بعضهم يتحدث عن "ثقافة الجسد الحر" و"فلسفة التعري" و"التحرر عبر الجسد"، وكأن كشف الجسد أصبح مشروعاً حضارياً، أو رؤية إنسانية جديدة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف وصل الإنسان المعاصر إلى مرحلة يبحث فيها عن المعنى من خلال نزع الثياب، بينما ظلت الحضارات الكبرى عبر التاريخ تعتبر اللباس أحد أبرز رموز الرقي والتمدن؟
إن التأمل في مسيرة الإنسان يكشف أن الستر لم يكن يوماً مجرد عادة اجتماعية، بل كان علامة فارقة بين الطبيعة الغريزية، والحياة الإنسانية المنظمة، فالإنسان منذ فجر التاريخ لم يكتفِ بحماية جسده من الحر، والبرد، وإنما جعل من اللباس لغةً للكرامة، ورمزاً للهوية، وعلامةً على الوعي بذاته، ومكانته في هذا الكون.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يرتبط أول مشهد إنساني في القرآن الكريم بقضية الستر، فعندما أكل آدم وحواء من الشجرة، كانت أول نتيجة لذلك أن انكشفت لهما سوآتهما، فسارعا إلى تغطيتها: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22].، إن هذا المشهد التأسيسي يحمل دلالة عميقة؛ إذ يكشف أن الشعور بالحاجة إلى الستر ليس أمراً مكتسباً من المجتمع، وإنما هو جزء من البنية الفطرية التي أودعها الله في الإنسان.
ومن هنا نفهم لماذا جعل القرآن نزع اللباس جزءاً من مشروع الإغواء الشيطاني، فقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}[الأعراف: 27].، فالقضية ليست مجرد ثوب يُخلع، بل منظومة قيم تُنزع، وحصون من الحياء تُهدم، ومعانٍ من الكرامة الإنسانية تتآكل شيئاً فشيئاً.

وإذا كانت الحضارة الحديثة قد حققت إنجازات هائلة في ميادين العلم، والتقنية، فإن ذلك لا يمنع من مساءلة بعض اتجاهاتها الثقافية التي تسعى إلى تحويل الجسد من وسيلة للحياة، إلى غاية للحياة، ومن عنصر في شخصية الإنسان، إلى محور الشخصية كلها.
ففي كثير من الخطابات المعاصرة لم يعد الإنسان يُنظر إليه باعتباره عقلاً، وروحاً، وقيمةً أخلاقية، بل أصبح يُختزل في مظهره الجسدي، ويُقاس حضوره الاجتماعي بمقدار ما يكشفه، لا بمقدار ما ينجزه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ في أن الإنسان كان على مر العصور يستر جسده وينمي فكره، ويتزود بالأخلاق، والإبداع، ظهرت اليوم بعض الاتجاهات الحديثة تعيد الإنسان إلى دائرة الجسد من جديد، ولكن تحت أسماء براقة وشعارات جذابة، فيُقدَّم التعري أحياناً بوصفه محاكاة للطبيعة، أوحرية، وأحياناً بوصفه فناً، وأحياناً أخرى بوصفه احتجاجاً سياسياً، أو اجتماعياً، حتى صار الجسد نفسه منصةً للبيانات، والمواقف والشعارات.
لم يفهم دعاة هذا الاتجاه أن الحرية الحقيقية، لا تعني إزالة الحدود التي تحفظ إنسانية الإنسان، وإنما تعني امتلاك القدرة على توجيه الغرائز، لا الخضوع لها، يحدثنا الفيلسوف المسلم مالك بن نبي: أن الحضارة تبدأ حين ينتصر الإنسان على دوافعه الأولية، ويرتقي من عالم الغريزة إلى عالم الفكرة، والقيمة، أما المجتمعات التي تجعل الجسد مركز وجودها، فإنها تخاطر ببهيمية الإنسان ورده للتسفل، والانحطاط.

ولعل أخطر ما في ظاهرة التعري المعاصرة أنها لا تقف عند حدود الجسد الظاهر، بل تتجاوزه إلى ما يمكن تسميته بـ"التعري النفسي"، فحين يُرفع الحياء من النفوس، وتُستباح الخصوصيات، وتُعرض المشاعر، والأسرار، والحرمات على الملأ، يصبح الإنسان مكشوفاً من الداخل، كما هو مكشوف من الخارج؛ ولهذا كان الحياء في الإسلام قيمة محورية، حتى بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن : (الحياء شعبة من الإيمان)متفق عليه، فالحياء ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية تحرس الكرامة الإنسانية، وتحفظ التوازن بين الحرية، والمسؤولية.

إن الثقافة الإسلامية لم تنظر إلى الستر باعتباره قيداً على الإنسان، بل رأته تكريماً له، فاللباس في القرآن ليس مجرد غطاء للجسد، وإنما هو أيضاً رمز معنوي، كما في قوله تعالى:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}[الأعراف: 26].، وهنا يرتقي مفهوم الستر من مستوى الثوب، إلى مستوى الروح؛ إذ يصبح الإنسان مطالباً بستر العيوب، كما يستر الجسد، وبصيانة الأخلاق كما يصون المظهر، وبحفظ القلب من الانكشاف أمام الشهوات، كما يحفظ البدن من الانكشاف أمام الأعين.

وقد أدرك الشعراء والحكماء هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فربطوا بين الحياء، والجمال الحقيقي، وبين الوقار، والقيمة الإنسانية، فليس كل ما يُكشف جميلاً، وليس كل ما يُخفى نقصاً، بل إن كثيراً من مظاهر الجمال تستمد روعتها من الاحتشام، كما تستمد اللآلئ قيمتها من بقائها في أصدافها، كما قال أبو تمام:

يَعِيشُ المَرءُ ما اِستَحيا بِخَيرٍ وَيَبقى العودُ ما بَقِيَ اللِحاءُ
فَلا وَاللِهِ ما في العَيشِ خَيرٌ وَلا الدُنيا إِذا ذَهَبَ الحَياءُ
إِذا لَم تَخشَ عاقِبَةَ اللَيالي وَلَم تَستَحيِ فَاِفعَل ما تَشاءُ

إن معركة الستر والتعري ليست معركة أقمشة وأزياء، وإنما هي معركة تصورات عن الإنسان نفسه، هل الإنسان مجرد جسد يبحث عن اللذة، والانكشاف؟ أم أنه كائن مكرم يحمل قيما أخلاقية، وروحية تتجاوز حدود الجسد؟
لقد جاء الإسلام ليجيب عن هذا السؤال بوضوح؛ فكرامة الإنسان لا تبدأ من جسده، بل من روحه، وعقله، وتقواه، وكلما ازداد الإنسان قرباً من هذه المعاني، ازداد تحضراً، وإنسانية، وكلما اختزل نفسه في بعده الجسدي، اقترب من عالم الغريزة مهما أحاط ذلك الاختزال بألفاظ الحداثة، وشعارات التحرر.
ومن هنا يبقى الستر في الرؤية الإسلامية أكثر من عادة اجتماعية، أو حكم فقهي؛ إنه إعلان دائم عن احترام الإنسان لنفسه، وإيمانه بكرامته، ووعيه بأن قيمته الحقيقية لا تُقاس بما يكشفه من جسده، وإنما بما يظهره من فضائل، وما يقدمه من خير، وما يحمله من نور الهداية، والخلق الكريم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة