الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإنصاف في زمن الاستقطاب

الإنصاف في زمن الاستقطاب

الإنصاف في زمن الاستقطاب

الأزمنة التي يعلو فيها الضجيج، وتشتد فيها الخصومات الفكرية، وتتنازع العقولَ، والقلوبَ، الولاءاتُ، والانتماءات، تصبح قيمة الإنصاف من أثمن القيم، وأندرها، فمن أسهل الأمور أن تجد من يُوافقك، ويصفق لك، وليس عسيراً على الانسان أن ينضم إلى جماعة تردد ما يريد سماعه، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تبقى في صف الحقيقة، لا أسير الهوى، وأن يكون ولاؤك للحق، قبل الأشخاص، وللمبدأ قبل الجماعات.

ولعل من أكبر الأزمات الفكرية التي تعاني منها مجتمعاتنا اليوم، أن كثيراً من الناس لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن الانتصار، فالغاية عند بعضهم ليست معرفة الصواب، وإنما إثبات أن فريقه هو الصواب دائماً، وأن مخالفيه على خطأ دائماً، ومن هنا تتحول ساحات الحوار إلى ميادين صراع، وتتحول الكلمة من وسيلة لإظهار الحق، إلى أداة للتشويه، والتجريح، وإسقاط الخصوم.

وقد تنبَّه علماء الإسلام منذ وقت مبكر إلى هذه الآفة الخطيرة؛ لأنهم أدركوا أن أخطر ما يفسد الفكر ليس الجهل وحده، بل الهوى حين يلبس ثوب العلم، فالإنسان قد يظن أنه يدافع عن الحق، بينما هو في الحقيقة يدافع عن ذاته، أو عن انتمائه، أو عن صورته أمام أتباعه؛ ولذلك كان السلف يحذرون من التعصب أكثر من تحذيرهم من الخطأ؛ لأن المخطئ قد يرجع إذا تبين له الحق، أما المتعصب فإنه يرى الحق من خلال انتمائه، لا انتماءه من خلال الحق.

يقول الأستاذ: عمر عبد المجيد البيانوني: "من العجيب أن تجد من يريد الدفاع عن الحق، فلا يتورع من الوقوع في أباطيل كثيرة، في سبيل الوصول إلى غايته من الحق! عجباً له، ألم يعلم أنَّ الغايةَ لا تبرر الوسيلة، وأنَّ الحقَّ لا يحتاج في إثباته إلى باطل يقوِّيه، فالحقُّ يستمدُّ قوَّته من ذاته، والباطلُ ضعيفٌ في نفسه، يكفي أنْ تدحضه بكل حيادية، وموضوعية، فلا يلبث أنْ ينكشفَ زيفُه، وعوارُه، وتُمحَى معالمه، وآثارُه، فهي مبنية من خيوط العنكبوت الواهية..إن الحماسَ للحقِّ، لا يبرِّرُ الخروجَ عن الحقِّ، فلا يصح لمن يبيِّن الحقَّ أنْ يعتذر لشدته، وقسوته في كلامه أنه مع الحقِّ؛ لأنَّ الحقَّ يقتضي منه أنْ يدافع عنه بمنهج الحقِّ، فيكون هادئاً، بعيداً عن الإساءة، والتجريح، لمن يختلف معه".

البحث الصادق عن الحقيقة يقتضي التحرر من قيود التعصب، فالحقيقة ليست ملكاً لفرد، ولا وقفاً على جماعة.
ومن هنا كانت الموضوعية الحقيقية هي القدرة على رؤية الصورة كاملة، لا الاكتفاء بالنظر إلى جزء منها، أحياناً يتوزع الحق بين أطراف متعددة، ويكون لكل فريق نصيب منه، كما يكون لكل فريق نصيب من الخطأ، أو المبالغة، في هذه الحالة المتعصب لا يرى إلا لوناً واحداً، ويقسم المسلمين إلى ملائكة، وشياطين، وأولياء، وأعداء، فلا يمنح مخالفيه فضيلة، ولا يعترف لمنافسيه بحسنة.

وقد ضاعت بسبب هذا المنهج المختل حقائق كثيرة، وحصل تشتت، وتشرذم عميق بين أبناء الأمة الواحدة، فكم من شخص رُفع فوق منزلته بسبب محبة أتباعه له، حتى نُسبت إليه الكمالات كلها، وكم من عالم، أو مصلح، أو مفكر، حُجب فضله؛ لأن خصومه لم يستطيعوا أن ينظروا إليه بعين العدل، والإنصاف، وما أجمل صنيع أهل الحديث، يوم وضعوا لنا، أعظم النماذج في النزاهة العلمية، بكتابة قواعد دقيقة للحكم على الرجال، والروايات، فلم يمنعهم الحب من النقد، ولم يدفعهم الخلاف إلى الظلم.

الثقافة الإسلامية الأصيلة لا تقوم على التقديس الأعمى للأشخاص، ولا على الشيطنة المطلقة للمخالفين، وإنما تقوم على العدل الذي أمر الله به في كل الأحوال. ومن أروع النماذج القرآنية في ذلك قوله تعالى عن أهل الكتاب بعد ذكر انحرافاتهم: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].، إنها قاعدة عظيمة في النظر إلى الناس، والأفكار، فلا التعميم عدل، ولا إطلاق الأحكام على الجميع من الإنصاف، فالناس درجات، والمواقف متفاوتة، والعدل يقتضي أن يُعطى كل إنسان ما يستحقه من حكم، وتقدير.
هذه الروح القرآنية هي التي صنعت حضارة علمية واسعة، استطاعت أن تستوعب الاختلاف دون أن يتحول إلى حرب دائمة، ففي تاريخ الأمة تعددت المدارس الفقهية، وتنوعت الاجتهادات، واختلف العلماء في مئات المسائل، ومع ذلك بقيت بينهم روابط الأخوة، والاحترام، ولم يكن اختلافهم سبباً للتباغض، إلا في عصور الانحطاط، وخفوت العلم، بل كان الخلاف المذهبي بين مدارس السنة سبباً لثراء فكري، أغنى الأمة، ووسَّع آفاقها.

أما حين يتحول الانتماء المذهبي، أو الفكري، إلى تعصب أعمى، فإنه يفقد وظيفته العلمية، ويتحول إلى معول هدم، فبدلاً من أن يكون الاختلاف وسيلة لتوسيع دائرة الفهم، يصبح أداة لإشعال الخصومات، وإثارة الأحقاد، وعندئذ ينسى الناس أن أعداء الأمة لا يفرقون بين مذاهبها، واتجاهاتها، حين يستهدفونها، بينما يصر بعض أبنائها على تمزيق صفوفها بسبب مسائل اجتهادية، لا تستحق هذا القدر من الصراع.
ومن أخطر مظاهر غياب الاتزان أن يتحول النقاش الفكري إلى محاكمة للأشخاص لا للأفكار، فبدلاً من مناقشة الرأي، ينشغل البعض بالطعن في النيات، والبحث عن العيوب، وإطلاق الأوصاف الجارحة، وهذا المنهج لا يقتل الحوار فحسب، بل يفتح أبواب الفتن الفكرية، والعصبية البغيضة، وكان الأجدر أن يوجه النقد إلى الفكرة نفسها، وأن يبقى الحكم على الأشخاص منضبطاً بضوابط الشرع والعدل.

الأمم لا تبنى بالصراخ، ولا ينهض الفكر بالتعصب، ولا تُكتشف الحقيقة عبر المبالغات، والانفعالات، وإنما تبنى الحضارات بعقول منصفة، وقلوب متجردة، ونفوس تتعلم كيف تنتصر للحق، ولو كان على حساب رغباتها الشخصية.
إن من أجب ما ينبغي أن نغرسه في الأجيال الجديدة، ثقافة الإنصاف، لا ثقافة الإقصاء، وثقافة الحوار لا ثقافة التخوين، وثقافة البحث عن الحقيقة، لا ثقافة البحث عن الغلبة، فالمربي الحقيقي ليس الذي يصنع أتباعاً يرددون كلامه دون تفكير، وإنما الذي يربي عقولاً قادرة على التمييز بين الحق، والباطل، وعلى مراجعة نفسها إذا تبين لها الخطأ.

وحين تنتصر هذه الثقافة في المجتمع، يصبح الاختلاف مصدر ثراء، لا سبب شقاق، ويصبح الحوار طريقاً للمعرفة، لا ميداناً للخصومة، ويصبح الناس أقرب إلى العدل الذي قامت عليه السماوات، والأرض، وأرسل به الرسل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25].. يومها ينتصر الحق على الهوى، ويستعيد الفكر رشده واتزانه.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



الأكثر مشاهدة اليوم

اقرأ في إسلام ويب

العمل الخيري في الإسلام.. حين يتحول العطاء إلى صناعة للحياة

في كثير من المجتمعات تُقاس نهضتها بما يُشَيّد من مبانٍ، وما يحقق من إنجازات اقتصادية، لكن يوجد مقياس آخر أكثر...المزيد