الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحببت فتاة وتركتها خوفًا من الله، لكني عجزت عن نسيانها!

السؤال

السلام عليكم.

مشايخنا الكرام أرجو أن تكونوا بأتم الصحة والعافية، وأسأل الله تعالى أن يوفقكم في عملكم الكريم، وييسر خيركم هذا لهداية الناس إلى الطريق القويم.

أنا شاب أدرس في الجامعة، و-بفضل الله وتوفيقه- أعطيت التخصص الذي تمنيته، ومنذ بداية العام الدراسي أبقيت تركيزي منصباً فقط في طاعة الله أولاً، ثم دراستي ثانياً، لكن نفسي بدأت تزيغ بعد ذلك، حيث رأيت فتاة فأعجبتني، وتعلق قلبي بها نوعاً ما، حتى كلمتها وكلمتني، والتقينا بضع مرات في الجامعة، وأصبحت أكلمها دائماً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن بنية صافية، وإرادة مني بإبقاء هذه العلاقة نظيفة قدر الإمكان، لعل وعسى أن أتزوجها بعد إكمالي دراستي.

لكن سرعان ما أدركت أن ما أفعله حرام، ويغضب الله عز وجل، ولعله سيكون سبباً في عدم توفيقي في حياتي كلها، فاختلقت سبباً، وقطعت علاقتي معها ابتغاء مرضاة الله، وأحسست براحة نفسية بعد ذلك، وقرب من الله لمدة من الزمن.

حتى قبل أيام أصبحت أحن لكلامي معها، وملاقاتها، وأصبحت أريد أن أرسل لها مرة أخرى، ثم أقول: لا! وأجاهد نفسي، أشغل نفسي بالعبادة ومشاهدة قصص التقوى، وبعض الدروس الدينية، لكن سرعان ما تنتهي الحلقة، أو بمجرد فراغي لبعض الوقت أنسى كل شيء، وأريد الكلام معها مرة أخرى.

لم أجد حلاً، دعوت الله كثيراً، لكن يبدو أن نفسي الأمارة بالسوء تمنعني من الإخلاص التام في الدعاء، وفي نسيانها تماماً، فأرجو منكم إفادتي، ومساعدتي، جزاكم الله خيراً.

أخشى من الوقوع في هذه المعصية مجدداً، وأندم بعد ذلك، وأخشى أن ينساني الله إذا نسيته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك على حرصك على طاعة الله تعالى، واتباع سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

يعتبر الشعور بالانجذاب نحو الجنس الآخر أمراً طبيعياً، وميل الذكر للأنثى-والعكس- غريزة فطرية، لكن الإسلام يدعونا إلى التحكم في هذه المشاعر، وتوجيهها نحو الطرق الشرعية، وهي الزواج.

هناك بعض الأمور التي يمكنك فعلها للمساعدة في هذه المسألة:
1. عليك بالدعاء، استمر في الدعاء لله، طالباً منه التوفيق والثبات، واعلم أن الدعاء سلاح المؤمن، وتأكد من خلوص نيتك، واحرص على أن تكون مخلصاً في الدعاء أن يربط الله على قلبك، وأن يعصمك من الوقوع في ما حرم الله، ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ إِنَّ رَبِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [يوسف ٥٣].

2. الصبر والمجاهدة، استمر في الجهاد ضد نفسك ومحاولة التحكم في رغباتك ومشاعرك، ربما يكون ذلك صعباً في البداية، لكن بمرور الوقت وبالصبر والثبات ستجد أنه يصبح أسهل ﴿وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [العنكبوت ٦٩].

3. ابتعد عن المواقف التي قد تثير هذه المشاعر، وتجنب المواقف التي قد تعيد إليك الذكريات، أو تثير المشاعر نحو هذه الفتاة، قد يكون ذلك يعني حذف رسائلها، أو الابتعاد عن أماكن تتواجد هي فيها.

4. الاشتغال بالعبادات والعمل الصالح، هي أنفع وسيلة للتخفيف من التهاب العاطفة، قم بملء وقت فراغك بالعبادات والأعمال الصالحة، مثل الصلاة وقراءة القرآن، والدعاء، والصدقة، وغيرها.

يمكنك الاشتراك في أحد الأندية الرياضية، أو الالتحاق بحلقة تحفيظ في المسجد، كما أن صيام النوافل كأيام البيض يعتبر عاملاً مساعداً، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

5. اطلب النصح من شخص ثقة، أو شيخ معروف بدينه وتقواه، سيكون له القدرة على إرشادك وتقديم النصائح العملية، خاصة إذا كان قريباً من منطقتك، ويسهل الالتقاء به عادة.

اعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومع ذلك فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، إذا قمت بخطأ، فتب إليه واستغفره وهو سيغفر لك، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53).

لا تيأس واستمر في السعي نحو تحقيق رضى ربك، والثبات على الطريق القويم، وتذكر دوماً بأن طريق الارتباط بالفتاة لا يكون عبر التواصلات الشخصية، وفي الأماكن المغلقة، وإنما عبر التواصل مع أهل الفتاة، والتقدم رسمياً لخطبتها، لأن الغرض الأساسي من التواصل والارتباط هو الزواج وتأسيس أسرة، وليس مجرد لعب على وتر عاطفة الفتاة.

لذلك جاءت التنبيهات والتحذيرات من اتباع خطوات الشيطان. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ وَمَن یَتَّبِعۡ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدࣰا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُزَكِّی مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [النور ٢١].

التواصل مع زميلة العمل أو الدراسة ينبغي أن يظل في نطاقه الضروري فقط، وإذا حصل اقتناع كل طرف بالآخر كشريك حياة لتأسيس أسرة، فهنا ينبغي عليهما تأجيل القصائد الغرامية إلى ما بعد الزواج.

جزاك الله خيراً، وأعانك على ما تواجهه، ونسأل الله تعالى أن يعصم قلبك، وأن يشرح صدرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً