الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس الطلاق تهاجمني عند استيقاظي من النوم، فكيف أقاومها؟

السؤال

السلام عليكم

أنا متزوج منذ 3 سنوات، وأعاني من وسواس الطلاق، وصرت أمضي يومي مرعوبًا من أنه قد وقع، وتمضي عليّ ليالٍ أبكي فيها حتى أنهك، خصوصًا أنني منذ شهر تقريبًا ما ألبث أن أستيقظ من نومي حتى تهاجمني تلك الأفكار باللفظ الصريح، وأحيانًا أكون في بداية استيقاظي، وأشعر أنني على وشك التلفظ بها، أو أنني قد أخرجت ريحًا من فمي مع قول الكلمة في عقلي، أو جزءًا منها كحرف القاف من لساني، فأدخل في دوامة الطلاق من أول يومي، وتبدأ تعاستي، حتى إنني صرت أكره الاستيقاظ، وأخاف من كل يوم، ناهيك عن كنايات الطلاق، ومواقف لا تُحصى كل يوم، وقد مللت وتعبت من سؤال الشيوخ حتى إن أحدهم سئم مني، وأنا أفهمه والله.

مشكلتي أنني أشعر وكأن الأفكار متزاحمة في عقلي، متشعبة وأحيانًا غير مترابطة، وكأنني كالمجنون أحدث نفسي.

اليوم حصل معي موقف: استيقظت على حديث نفس أقول فيه إنه عليّ ألّا أطلق، ثم انتابتني كلمة "طالق" فورًا في عقلي، وكأنني أعني التفكير فيها، وشعرت أنني تلفظت بها، وفي داخلي شعور أنه عليّ إخلاء عقلي من الأفكار أو ترتيبها، وكأنني أناقشها، أو أنها طالما بقيت بداخلي فلست محاسبًا عليها، أو أنني نطقتها بغير قصد الطلاق أو بلا اكتراث بنية، أو لم أضبطها، وفورًا انتبهت إلى لساني: هل تلفظت بها أم هي فقط بداخلي؟ فوجدته مرتفعًا إلى الثنايا العليا، وغالبًا كان هذا خلال تفكيري مع الفكرة، فخفت وندمت ولم أعد أدري ما حكمي وما علاجي.

إذا تكرمتم، أعرضوا سؤالي على شيخ ومختص نفسي، فأنا أريد حلًّا لو سمحتم، فأنا أعيش في جحيم وعلى وشك الانهيار. أرجو أن تتيحوا لي فرصة الحصول على رد شافٍ، فأنا بحاجة ماسّة إلى إجابة من متخصصين شرعيين ونفسيين.

شكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فادي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء.

سؤالك واضح جداً، وهو يحتاج لرأي شرعي، ورأي طبي نفسي، وها أنا أوضح لك العلاج النفسي، وأبشرك أن العلاج النفسي متاح جداً، وفي حالتك يجب ألا تؤخر العلاج أبداً، وألا تتردد في الذهاب إلى الطبيب النفسي، أو على الأقل اتباع الإرشادات التي سوف نذكرها لك.

الوسواس كثيراً ما يقنع أصحابه بما هو مخالف لمصلحتهم؛ لأنه مستحوذ ومهيمن على وجدان الإنسان، وهو يزيد من فضول الإنسان للبحث نحو الحقيقة، وكثيراً ما أضر بعض الإخوة بأنفسهم؛ لأنهم ترددوا حول العلاج، العلاج موجود و(ما جعل الله من داء إلا جعل له دواء، فتداووا عباد الله) وبما أن هذا المرض أصابك، فقد أتاك النصح من المختصين، وكذلك العلاج، فعليك بما ننصحك به.

أولاً: العلاج الدوائي الذي سيفيدك هو عقار (فافرين)، هذا اسمه التجاري، واسمه العلمي (فلوفكسمين) تبدأ بجرعة خمسين مليجرام ليلاً لمدة عشرة أيام، ثم تجعلها مئة مليجرام ليلاً لمدة شهر، ثم تجعلها مئتي مليجرام ليلاً لمدة شهر، ثم تجعلها ثلاثمائة مليجرام يومياً، تتناول مئة مليجرام في الصباح، ومئتي مليجرام ليلاً، وهذه الجرعة القصوى، وهي مطلوبة لعلاج هذا النوع من الوساوس؛ لأنه بالفعل وسواس سخيف ومؤلم للنفس.

تستمر على جرعة الثلاثمائة مليجرام يومياً لمدة أربعة أشهر، بعد ذلك تخفضها إلى مئتي مليجرام ليلاً لمدة أربعة أشهر أخرى، ثم مئة مليجرام ليلاً لمدة أربعة أشهر، ثم إلى خمسين مليجرام ليلاً لمدة شهر، ثم خمسين مليجرام يوماً بعد يوماً لمدة شهر آخر، ثم تتوقف عن تناول الدواء، هذا الدواء رائع وسوف يساعدك كثيراً، وهذا الدواء يدعم بدواء آخر يعرف باسم (اريبيبرازول) تناوله بجرعة خمسة مليجرام يومياً لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناوله، ولكن استمر على الفافرين.

بعد بداية العلاج بشهر، يجب أن تبدأ في التطبيقات السلوكية، وهنالك ثلاث تطبيقات:
التطبيق الأول: يسمى التحقير، يجب أن تحقر فكرة الطلاق هذه، ويجب أن تتجاهلها، ولا تسترسل معها، اجلس داخل غرفة وفي هدوء كامل، ابدأ حصتك العلاجية، والتي يجب أن تستغرق عشرين دقيقة على الأقل.

إذاً: التجاهل والتحقير هو المبدأ العلاجي الأول، لا تدخل أبداً في تفاصيل الوسواس، وأنت كتبت لنا تفاصيل كثيرة، وأنا أشكرك على ذلك طبعاً، وذلك كان بهدف التوضيح وإقناعنا، ونحن اقتنعنا أن حالتك فعلاً وسواسية، لكن لا أريدك أن تتبع هذا المنهج؛ لأن التفصيل في الوسواس يؤدي إلى ما يعرف بالحوار الوسواسي، والحوار الوسواسي ينتج عنه المزيد من الوساوس.

التمرين الثاني: نسميه صرف الانتباه، بدلاً من أن تفكر في الوسواس، أريدك فجأة أن تفكر في أمر آخر، تنقل نفسك لفكرة جميلة، فكرة رائعة ومفيدة، هذا نسميه صرف الانتباه.

التمرين الثالث: يسمى التنفير، أريدك أن تستجلب الفكرة الوسواسية عن الطلاق، وفجأة تقوم بالضرب على يدك بقوة وشدة، على سطح صلب، كسطح الطاولة مثلاً، ويجب أن تحس بالألم، اربط هذا الألم مع الفكرة الوسواسية، كرر هذا التمرين عشرين مرة متتالية، وهذا تمرين رائع.

هذه التمارين الثلاثة يجب أن تطبقها يومياً -أخي الكريم- وأفضّل أن يكون ذلك بمعدل مرتين في اليوم.

إذًا: العلاج الدوائي أوضحناه لك، العلاج السلوكي أوضحناه لك، وبجانب ذلك يجب أن تحسن إدارة وقتك، وتتجنب الفراغ الذهني والفراغ الزمني؛ لأنهما يجعلان الوساوس تستشري وتهيمن وتسيطر وتستحوذ، أما إذا كان الإنسان مشغولاً فيما هو أفيد، فإن شاء الله تعالى تقل حدة الوساوس.

هذه هي النصائح التي أود أن أنصحك بها، وأرجو ان تتبعها، وأما من الناحية الشرعية، سوف يفيدك -إن شاء الله- الشيخ الدكتور/ أحمد الفودعي، وسوف تسمع منه -إن شاء الله- كلاماً طيباً، وإرشادياً شرعياً، وأرجو أن تأخذ بما فيه.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، وبالله التوفيق.
____________
انتهت إجابة د. محمد عبد العليم استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان
وتليها إجابة د. أحمد الفودعي مستشار الشؤون الأسرية والتربوية
_______________

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يعافيك من شرها وأن يصرفها عنك.

نحن ندرك -أيها الحبيب- مدى المعاناة التي تعيشها بسبب هذه الوسوسة، ولكننا في الوقت نفسه ندرك أنك لن تتخلص منها إلا إذا عزمت عزيمة صادقة، على العمل بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم، التي أوصى بها من أصيب بهذه الوساوس، وهذه الوصية تتلخص بأنه يجب عليه أن يهمل هذه الوساوس، وألا يلتفت إليها، وأنها لا تضره، وإذا صبر على هذا الطريق، فإنه سيشفى -بإذن الله تعالى- وستزول عنه قريباً، وكل هذه الأسئلة التي طرحتها هي ثمرة من ثمار هذه الوساوس، ونتيجة من نتائجها، والشفاء الحقيقي هو أن تعرض تماماً عن هذه الأسئلة.

أما قولك: بأنك تريد جواباً شافياً، فهذا في حد ذاته تثبيت لهذه الوساوس، وتقوية لها، فارحم نفسك، واعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستجد نفسك تتعافى منها قليلاً قليلاً -بإذن الله-.

والذي نستطيع أن نفيدك به الآن، وهو ما عسى أن يخفف عنك هذا العناء، ويزيل عنك هذا الكرب، هو أن تدرك تمام الإدراك، أن الشرع يعتبر الموسوس مريضاً، والفقهاء يقررون أن الموسوس مثل المكره؛ لأن الوسوسة تسلطت عليه وغلبته، فحتى لو نطق بكلمة الطلاق وخرجت صريحة من فمه تحت تأثير الوساوس، فإن هذا الطلاق لا يعتبر شرعاً، ويعتبر غير موجود ولا تطلق به الزوجة، هذا ما ينبغي أن تدركه تمام الإدراك وتعمل بمقتضاه، حتى تنقذ نفسك من هذه الدوامة، وتخرجها من هذا الضيق والمرض.

والوسوسة -أيها الحبيب- مرض من الأمراض، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً) وقال: (تداووا عباد الله) فالدواء الشرعي المعنوي الروحي هو أن تفعل هذه الوصايا:

أولها: الإعراض عن الوسوسة وتجاهلها.
الثاني: اللجوء إلى الله تعالى بالاستعاذة حينما تداهمك هذه الأفكار.
الثالث: الإكثار من ذكر الله تعالى، والتحصن بذكره، فإنه حصن حصين للإنسان من الشيطان.

وأما الدواء الحسي: فقد أفادك الدكتور/ محمد عبدالعليم بما فيه خير لك، فخذ بهذه الوصايا التي وردت، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً