الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا أجد التوفيق في حياتي..فهل هناك ذنب لا أعرفه يحتاج لتوبة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني منذ فترة من عدم التوفيق، ويزداد الأمر سوءاً بمرور الوقت، حتى شمل ذلك نواحي كثيرة من حياتي: اجتماعياً وصحياً ونفسياً ودراسياً، إلى أن بدأ يؤثر على ديني وقدرتي اليومية على أداء مهامي، لا أعلم ماذا أفعل!

ظننت أنه ابتلاء، وخاصة في دراستي؛ فمستواي يتراجع عاماً بعد عام، حتى كدت لا أطيق تقصيري، كثيراً ما يراودني شعور بأن هناك ذنباً ما أحتاج التوبة منه، وهو ما يؤثر على حياتي بهذا الشكل، فكيف أستطيع أن أصل إلى هذا الذنب بيني وبين نفسي حتى أخرج مما أنا فيه؟ وماذا عليّ أن أفعل لكي يستقر حالي هذا، ويتحول إلى حالٍ يُرضي الله عني، ويرضيني، ويريحني نفسياً؟

عذراً، أرجو حجب الاسم في حال ظهور الإجابة أو نشر السؤال على الموقع.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أختي الكريمة: أسأل الله تعالى أن يفتح لكِ أبواب الفرج، وأن يبدّل ثِقَل صدرك سكينة، وحيرتك هداية، وتعبك راحة، وأن يأخذ بيدك إليه أخذًا جميلًا. ما كتبتِه صادقٌ، موجِعٌ، ويخرج من قلبٍ متعب لا من قلبٍ غافل، وهذا بحدّ ذاته علامة خير لا شرّ.

دعيني أقولها لك بوضوحٍ مطمئِنٍ: اجتماع التعثّر في مجالات متعدّدة من الحياة لا يعني بالضرورة غضب الله تعالى على المرء، ولا يدلّ حتمًا على ذنبٍ خفيٍّ معيّن، هذه الفكرة -مع شيوعها- ليست قاعدة شرعية، بل كثيرًا ما تكون نتيجة إرهاق نفسي طويل، وضغط متراكم، وقلق داخلي، يجعل الإنسان يرى حياته من زاوية واحدة مظلمة.

القرآن الكريم نفسه صحّح هذا الفهم حين قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، فحتى حين يكون للذنب أثر، فإن العفو الإلهي أوسع، وليس كل تعثّر عقوبة، بل قد يكون ابتلاءً للتربية، أو تنبيهًا لإعادة ترتيب، أو توقُّفًا رحيمًا قبل الانهيار.

وأنتِ حين تقولين: "أخاف أن يكون ذنبًا لا أعرفه"، فاعلمي أن هذا الخوف في ذاته علامة حياة قلب، لا علامة سخط، ولو كان هناك ذنبٌ عظيم أنتِ مصرَّةٌ عليه؛ لما آلمك هذا الألم، ولا سألتِ هذا السؤال، ولا طلبتِ رضا الله تعالى بهذا الصدق، قال النبي ﷺ: "الندم توبة"، وقال ﷺ: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار"، فباب التوبة مفتوح، لا يحتاج إلى اكتشاف سرٍّ غامض، بل إلى صدقٍ ولجوء.

وهنا أصل مهم جدًا: التوبة ليست تحقيقًا جنائيًا مع النفس، لا يُطلب منكِ أن تنبشي الماضي بحثًا عن ذنبٍ معيّن، وكأن الله تعالى لا يقبل إلا باعترافٍ تفصيلي، هذا الأسلوب يرهق النفس ويزيدها قلقًا، التوبة الشرعية تقوم على إقرار عام بالتقصير البشري، وطلب مغفرة شامل، ونية صادقة للإصلاح، لا على جلد الذات واستنزافها، وقد كان من دعاء النبي ﷺ:"اللهم اغفر لي ذنبي كله: دقَّه وجِلَّه، أوله وآخره، علانيته وسرّه"، هذا دعاء شامل، يعلّمنا أن الإنسان قد يجهل بعض تقصيره، والله تعالى يعفو عنه بعلمه ورحمته.

أما تراجعك في الدراسة، وضعف الأداء اليومي، وتأثر النفس والدين؛ فغالبًا ما يكون سلسلة واحدة لا أسبابًا منفصلة: إرهاق نفسي، وفقدان الدافعية، وشعور بالتقصير، وجلد ذات، ومزيدٌ من التراجع، وهنا لا نبدأ باللوم، بل بكسر السلسلة من أضعف حلقاتها.

ما الذي عليكِ فعله عمليًا؟

أولًا: توبة هادئة شاملة بلا جلد، قولي بينك وبين الله تعالى: (اللهم إني أتوب إليك من كل ذنب أعلمه، ومن كل ذنب لا أعلمه، وأستغفرك مما قصّرت فيه بعلمي أو بجهلي)، توقفي، لا تعودي للتفتيش القهري في نفسك، التوبة ليست معاناة مستمرة، بل تسليم وطمأنينة.

ثانيًا: إعادة بناء الأساس اليومي الصغير، لا تحاولي إصلاح كل حياتك دفعة واحدة، هذا ينهكك، ابدئي بثلاثة أشياء فقط: صلاة في وقتها بخشوع مقبول لا كامل، مهمة دراسية واحدة يوميًا مهما كانت بسيطة، عادة جسدية: نوم منتظم أو مشي خفيف، الثبات على القليل أحب إلى الله تعالى من الانقطاع بعد الحماس.

ثالثًا: لا لجلد الذات: الدين جاء ليقيمك لا ليكسرك، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾، فإن شعرتِ أن التقصير الديني صار مصدر يأس لا دافع قرب، فاعلمي أن الخلل في الفهم لا في الإيمان.

رابعًا: الدعاء الذي يفتح الأبواب، لا الذي يحمّلك الذنب، بدّلي سؤال: لماذا يحدث لي هذا؟ إلى: يا رب دلّني، وأصلحني، وخذ بيدي، ولا تكلني إلى نفسي، ومن أجمع الأدعية لحالك: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي".

خامسًا: الانتباه للصحة النفسية دون شعور بالذنب إذا طال التعثّر، وأثّر على الأداء والنفس، فمراجعة مختص نفسي أمين ليست ضعفًا ولا نقص توكل، بل من الأخذ بالأسباب التي أمر الله تعالى بها.

وأختم لك بهذا اليقين: الله تعالى لا يكسرك ليهينك، ولا يؤخرك ليضيعك، ولا يبتليك ليبعدك، بل قد يُثقِل الطريق ليقرّبك، ويبطئ الخطى ليحميك، ويكشف ضعفك؛ لتعرفي حاجتك إليه، فاصدقي مع الله تعالى، وارفقي بنفسك، وخذي الأمور خطوة خطوة، وسيعيد الله لحياتك توازنها، ولروحك طمأنينتها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾، وما خاب من لجأ إليه، وفقك الله للخير، وطمأن قلبك بما تحبين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً