الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تأخر حملي 12 عاماً ولا أستطيع الدعاء بيقين، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا متأخرة عن الحمل منذ 12 عامًا، ومشكلتي أنني لا أستطيع الدعاء بيقين بالولد، أنا أعرف ما هو اليقين، وأعرف الشعور به، ولكن منذ أن تزوجت لا أستطيع الدعاء، أحاول وأحاول دون جدوى، أشعر أن هذا الأمر بعيد أو مستحيل، وأن استحقاقي منخفض.

لا أعرف هل عدم اليقين هو صرف من الله تعالى، لأنه لا يريد أن يرزقني، أم أنه وسوسة من الشيطان، أم مرض روحي؟

أرجو الرد، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حنين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتَنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا أن يرزقك الذرية الطيبة، وأن يمنّ عليك بالولد الصالح الذي تقرّ به عينك.

ونحن نرى -أيتها البنت الكريمة- أنكِ بفضل الله تعالى قد وُفِّقتِ أولًا لمعرفة أهمية الدعاء، وأن من أعظم أسباب الرزق وتحصيل الذرية التوجّه إلى الله -سبحانه وتعالى- بسؤاله ودعائه.

فنحن ننصحك بالاستمرار بالدعاء، وينبغي أن تحذري كيد الشيطان ومكره؛ فإنه يريد أن يصرفك عن أي عمل صالح، ومن ذلك الدعاء، وقد قال الرسول ﷺ: «إن الشيطان قعد لابنِ آدمَ بأطرُقِه كلِّها» فلما رآكِ متوجِّهةً إلى الدعاء حاول أن يُغلق عليك هذا الباب، ويقطع عنك هذا الطريق بحجة أنك لا تدعين الله تعالى بيقين، فادفعي عنك هذا الوارد (الوسواس)، واستمرّي فيما أنتِ فيه من الدعاء، وتحصيل اليقين بأن الله -سبحانه وتعالى- سيعطيك.

وتحصيل هذا اليقين أمرٌ سهلٌ يسيرٌ بإذن الله تعالى إذا اتبعتِ الخطوات التالية:

أولًا: ينبغي أن تقرئي في أخبار الأنبياء والصالحين ما مَنَّ الله تعالى به عليهم من حصول الذُّرِّية، في أوقات لا يُرجى فيها تحصيل الذرية في عادة الناس، فأنتِ تقرئين قول الله -سبحانه وتعالى- عن زكريا، بعد أن دخل على مريم فوجد عندها الطعام والشراب في غير موسمه، وفي غير وقته: {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، قال الله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ إلى نهاية الآيات.

فجاءته البشارة، واستُجيبَت له الدعوة بعد أن رأى أن الله -سبحانه وتعالى- يرزق مريم رزقًا سهلًا في غير موسمه، فيأتيها بالثمار في غير موسمها، لا توجد في كل البلد وتوجد عند مريم، فأيقن أن الله -سبحانه وتعالى- قدير على أن يفعل ما يشاء -سبحانه وتعالى- فبعثه هذا على الدعاء، فسأل ربه الذرية الطيبة بهذا اليقين، فرزقه الله.

وأنتِ تقرئين أيضًا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه دعا ربه زمنًا طويلًا حتى مَنَّ -سبحانه وتعالى- عليه بالذرية، هذا على سبيل المثال من حياة الأنبياء، وتقرئين في قصة إبراهيم استغراب زوجته لما بشّرته الملائكة بالولد: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ فردّت عليها الملائكة بهذا السؤال، وأنه لا يُستغرب شيء على الله -سبحانه وتعالى- ولا يُستبعد منه تحصيل شيء.

فقراءتك لهذه الأخبار، ومعرفتك أن الله -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، لا يُعجزه شيء، سيبعث في قلبك الأمل، ويغرس فيه اليقين بتحصيل الذرية، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أن نسأل ربنا ما نحتاج، ونعظّم الأشياء التي نطلبها من الله، ونُكبّرها، ونسأله سبحانه وتعالى الأشياء الكبيرة؛ فإنه يحب ذلك، قال ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: «إذا دعا أحدُكم فلا يقولَنَّ: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزمِ المسألةَ، وليعظِّمِ الرغبةَ؛ فإن الله لا يَتَعاظَمُه شيءٌ أعطاه».

هذا التعليل وبيان السبب على هذا النوع من الدعاء، يُبين لنا أن الله -سبحانه وتعالى- ليس شيء عليه كبير، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه، فاسألي ربك وأنتِ موقنةٌ أن الله -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، وأنه لا يُعجزه شيء، وهذا اليقين المصاحب لهذا الدعاء من أعظم أسباب تحصيل الأرزاق.

فتذكّري هذا كله، وسيبعث ذلك في قلبك الأمل، ويغرس فيه اليقين، وكوني مطمئنة راضية بتقدير الله؛ فإن ما يختاره الله تعالى لك هو خير مما تختارينه أنت.

فوّضي أمورك إلى الله، واعلمي أنه -سبحانه وتعالى- أرحم بك من نفسك، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يقدّر لك الخير حيث كان، وأن يرزقك الذرية الصالحة الطيبة، ويقرّ عينك بهم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً