الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجتي قصرت في تربية أبنائي وفق ما أريد، فكيف أتدارك الأمر؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أستاذ جامعي وطالب علم شرعي، وأعمل في الدعوة، وقد تزوجتُ منذ خمس عشرة سنة تقريبًا من زوجة ملتزمة وخلوقة، لكنها ليست طالبة علم، وليس لديها نفس الرؤية للدين، ثم مع مرور الزمن حصل الانسجام والتوافق.

رزقنا والحمد لله بأربعة أطفال، ولما بدأتُ بالتدخل لجعل ابنتي الكبرى ترتدي الحجاب قبل سن البلوغ، بعمر ثماني سنوات تقريبًا، منعتني الأم وقالت: "دعها لي أنا أهتم بالأمر"، ووثقتُ بها، ثم ارتدت البنت الحجاب قبل البلوغ، إلَّا أن طريقة اللباس ليست هي طريقة اللبس التي أريدها؛ فحجابها غير منضبط ومرتخٍ، وأعاني معها في موضوع "البنطلون" ولبسه، والفكر غير متوجه إسلاميًا، وكأنما هي بنت عادية كباقي البنات؛ ليس هناك اهتمامات بالقضايا الكبرى، ولا صفحات "السوشيال ميديا" لديها تعكس ميول التزام، هذا مع أني كنتُ مشغولاً في عملي، أرجع قرب المغرب، ووثقتُ بتربيتها على أساس أنها أصبحت على نفس الفكر.

البنت الآن مراهقة، أي فات أوان التربية، وأنا أحس بإحباط شديد من الأم، مع أنها بذلت جهدًا في التدريس والأخلاق، وكنت آخذهم أنا وأمهم لحلقات تحفيظ القرآن، ولكن تُبيِّن لي أن الحفظ ليس تربية إسلامية، البنت الآن ليست منحلة دينيًا ولا خلقيًا، ولكنها عادية جدًّا، ووجدتُ منها مؤخرًا أشياء خاطئة كبيرة بالنسبة لي.

أفكر الآن في أن أهجر زوجتي هجرًا جميلًا، على أن لا أطلقها لأجل الأطفال، وأتزوج بأخرى من نفس فكري وأبدأ من جديد؛ فأنا محبط جدًّا منها، وأحس بأني أخطأت الاختيار، فهي لم تفهم أفكاري بالرغم من أنها جيدة ومحترمة، لكنها آذتني في ابنتي، وبقية الأولاد لا أعرف ماذا سيحصل لهم؛ وأنا عملي طويل وأرجع للبيت متأخرًا، لا أستطيع أن أكون أُمًّا وأبًا لهم ليكونوا مثل ما أريد.

فكرة زواجي من ثانية لأسباب كثيرة حاولت أن أتغاضى عنها، إلَّا أن هذا السبب هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو بكر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أيها الأخ الكريم- في الموقع، ونشكر لك الثناء على زوجتك، ونحب أن نؤكد لك أن التربية مسؤولية مشتركة، وأن للأب دورًا كبيرًا خاصة في المرحلة التي يبلغ فيها الأبناء هذه المرحلة العمرية، وحتى الفتاة بحاجة إلى والدها في تربيتها، ونسأل الله أن يعينكم على تجاوز هذه الصعاب، وأرجو أن لا تُحمّل الزوجة المسؤولية وحدها، فـ«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

وأنت والزوجة عليكما أن تبذلا المجهود، وتسألا الله -تبارك وتعالى- التوفيق والسداد، وننصحك بحسن التعامل مع الفتاة المذكورة، والقرب منها، والاهتمام بها، والحرص على التصحيح والتصويب، ولا تُلقِ كل اللوم على والدتها، ونسأل الله أن يُعينكم على تجاوز هذه العقبات، وأن يجعل الصلاح ميراثًا في ذرياتنا وذرياتكم إلى يوم الدين.

ولا يخفى عليك أن من حق الزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، لكن ينبغي أن تكون أسباب الزواج واقعية، فليس هذا السبب المذكور -وأرجو ألا يكون هذا هو السبب الذي تُعلنه- إذا رغبت في بناء أسرة ثانية؛ واحرص على ألَّا تهدم الأولى وأنت تبني الثانية، واستمر في التوجيه والنصح والدعاء والتوجه إلى الله تبارك وتعالى.

ولم يتضح لنا من خلال هذه الشكوى أن هناك اعتراضاً منها، وأنها بلا شك قامت بما عليها بما تستطيع، ومرة أخرى نؤكد: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

فنسأل الله أن يعينك على القيام بهذا الدور، وأن يهدي بنتنا، وأن يعين والدتها على القيام بما عليها، وأرجو ألَّا تشعر بإحباط، بل ينبغي أن تشعر بأنك بحاجة إلى عزم جديد، واهتمام أكثر بأسرتك.

اقترب من ابنتك أكثر، وحاول أن تحسن إليها، فالمعركة الآن هي معركة كسب القلوب، كيف تكسب قلبها لتطيعك بمجرد الإشارة، وبحثك عن زواج جديد قد يفسد الآن أكثر مما يصلح، فقد يفسد ما بينك وبين زوجتك، وما بينك وبين أبنائك، وابنتك كما ذكرت ليست منحلة، وهذا خير كبير، ولا تستهن به، فالبعض قد انحرفوا وزاغوا، والأم قد أدت دورها بما استطاعت، فلا تشحن البيت بهذه الأمور، واقبل منها ما قدمته واشكرها عليه، ولا تقارن بين فكرك وفكرها، فهذا الذي قدرت عليه.

ومهما كان الإنسان مشغولًا، فإن الوقت النوعي الذي يقضيه الأب مع أبنائه له أعظم الأثر، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الخير، ولا أعتقد أنه فات الأوان كما أشرت؛ لأن مرحلة المراهقة هي فرصة جديدة، وميلاد جديد للأبناء والبنات إذا أحسنا التعامل معهم، ونسأل الله أن يصلح لنا ولكم النية والذرية.

وأرجو ألَّا تكثر اللوم عليها، ولكن شجع الفتاة وشجع والدتها على مزيد من الالتزام، ومزيد من التمسُّك بآداب وأحكام الحجاب والدين.

بارك الله فيك، وقدَّر لنا ولكم الخير، وأعاننا جميعًا على كل ما يُرضيه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً