الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أرغب في الطلاق بعد أن تحملت كثيراً لكن أهلي سيقاطعونني!

السؤال

السلام عليكم.

لقد وصلنا أنا وزوجي إلى حالة ميؤوس منها، وعندنا 3 أولاد، وقد حاولنا كثيرًا الإصلاح بعمل جلسات كثيرة، ولكن الوضع يتحسن قليلاً، لوقت قليل، ثم نرجع مرة أخرى لنفس الوضع.

مع العلم أن زواجنا استمر 12 سنة، وكنا في مشاكل ومحاولات منذ بداية الزواج، وتحملت من أجل الأولاد، وحاليًا وصلت لمرحلة أصبحت فيها مريضة جسديًا ونفسيًا، ولا أستطيع أن أكمل أكثر من ذلك؛ خوفًا من أن يصيبني شيء.

كما أنني لم أعد أعرف كيف أربّي أبنائي، ولم أعد أحب زوجي، ولا أن أقوم بتلبية طلباته، وأخشى من غضب ربي وعقابه، أو أن أقع في معصية، ولكن أهلي يجبرونني أن أحاول مرة أخرى، وأن أستمر، ولكنني لا أستطيع؛ فلم يبق لدي أي طاقة ولا تحمل له، ولو أكملت في موضوع الطلاق فإنه من الممكن أن يقاطعني أهلي، فهل ذلك خطأ؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والسؤال، ونحيي رغبتكِ في بر والديكِ، والحرص عليهما، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يهدي هذا الزوج لأحسن الأخلاق والأعمال، فإنه لا يهدي لأحسنها إلَّا هو، وأن يُعينكما على حسن تربية هؤلاء الأبناء الثلاثة، وأن يجعل الصلاح ميراثًا في ذريتنا إلى يوم الدين.

بدايةً نحب أن نؤكد أنكِ صاحبة القرار، ولكن قرار الطلاق هو قرار يحتاج إلى دراسة عميقة جدًّا، وإلى رصدٍ للإيجابيات والسلبيات، والمقارنة بينها، ونظر في الخيارات البديلة، وردود الفعل المتوقعة، ومستقبل الأبناء، ودائمًا القرار الصحيح هو الذي ينتج عن دراسة متأنية، تنظر في مآلات الأمور، وفي الفرص البديلة المتاحة، والنظر في مصلحة الأبناء، وفيما هو أطوع لله تبارك وتعالى.

ونحب أن نشير إلى أن ثمة مُؤشِّرات إيجابية ظهرت من خلال هذا السؤال، وأول هذه المؤشرات هو: أنه بعد الصلح والإصلاح يحصل تحسن مؤقت، وهذا مُؤشِّر جيد؛ لأن هذا يدل على أن التحسن ممكن، ولكن هذه المجهودات الإصلاحية ينبغي أن تُكتب ويُتفق عليها، وأن يكون هناك جهة للمتابعة، جهة مرجعية.

وأيضًا نحن بحاجة في مثل هذه الأحوال أن تذكري إيجابيات هذا الزوج مع السلبيات الموجودة فيه؛ حتى نستطيع أن نفهم نمط الشخصية لهذا الرجل، وأيضًا نوعية المشكلات الموجودة؛ لأن عرض نوع المشكلات، والكلام عن إيجابيات الرجل إلى جوار سلبياته يُعطينا الصورة كاملة، وعندها نستطيع أن نتدخل تدخلًا يكون أكثر -إن شاء الله- أقرب للصواب والحلول الناجحة.

وعليه، فنحن نتمنى ألَّا تستعجلي، وأن تعتبري برأي الوالدين دائمًا؛ وذلك بحكم خبرتهما في الحياة، ومعرفتهما بالمصلحة، ولا يعني هذا أننا نريدكِ أن تتحملي فوق طاقتكِ، أو أن تتطور عندكِ الأمراض، بل بالعكس نحن نتمنى لكِ كل عافية، وخير؛ حتى تنجحي في القيام بما عليكِ.

لكن نحن بحاجة إلى أن نعرف نوعية المشكلات، وكيفية التعاطي معها، وأنواع الحلول التي توصلتما إليها، ولماذا يحصل الرجوع والانتكاسة بعد التحسن يومًا، أو يومين، أو ثلاثة أيام كما أشرتِ؟ وأيضًا ما هي إيجابيات هذا الشخص وسلبياته؟ وماذا يقول عنكِ؟ وما الذي يُزعجه منكِ، وما الذي يزعجكِ فيه؟ وكذلك السؤال عن أعمار الأبناء، وتأثرهم، وتعلقهم بوالدهم، وقيامه بواجباته تجاههم؟ فنحن بحاجة إلى أن ننظر إلى الصورة كاملة.

لكننا لا نميل إلى الاستعجال في طلب الطلاق، وليت من تُفكِّر في الطلاق ألف مرة تُفكّر مرات بعد الألف، وليت من أراد الطلاق، وفكر فيه ألف مرة يُفكر مرات بعد الألف، ونحن نتمنى عدم الاستعجال، خاصة عندما يكون هناك شركاء قد يكونون هم الطرف المتضرر الأكبر من الطلاق.

كما أنك أشرتِ أيضًا إلى أنكِ تخافين من الفتنة، وهذا أيضًا اعتبار ينبغي أن يُؤخذ، والفتنة نحن نخافها على الزوج، ونخافها على الزوجة، ونخاف ضياع الأبناء، ولكن مع هذا، عندما تتضح الأمور علينا أن ندرك أن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فإمَّا حياة فيها الحقوق والسعادة، أو فراق كذلك صحيح يحفظ للأبناء حقوقهم، ويُعرف فيه الفضل، قال العظيم: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}.

نسأل الله أن يعينكِ على الخير، وننتظر منكِ مزيدًا من التوضيحات؛ حتى تأتيكِ الإجابة الشافية بتوفيق الله تبارك وتعالى، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، ووصيتنا ألَّا تستعجلي الآن في أمر الطلاق، واطلبي من أهلكِ أيضًا أن يكون لهم دور في الإصلاح، ودور في النصح، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً