السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا رجل قاربتُ الأربعين من العمر، ومنذ طفولتي المبكرة وأنا لا أطيق صبرًا على أبسط مصاعب وهموم الحياة التي قد لا يُلقي لها الآخرون بالًا من الأساس، ولكن مع الوقت بدأتُ أدرك أن الحياة لا تسلم لأحد، وأن الجميع فيها لا يسلم من الهموم والأحزان، فهي في النهاية دار ممر وليست مستقرًّا؛ لذلك قررتُ أن أجعل الآخرة نصب عيني.
وبفضل الله قويت علاقتي مع الله منذ العشرينات من عمري، ومع كل ذلك كنتُ أجزع وأسخط وأشعر بالإحباط واليأس والرغبة في الموت في كل مرة يحلّ بي البلاء، ولكنني كنتُ أعود بعدها إلى الله مستغفرًا، منيبًا، راجيًا عفوه وصفحه، نادمًا على جزعي، وكنتُ أحسّ بالراحة والطمأنينة أن خالق الكون القادر على كل شيء في عليائه يسمعني ويشعر بمعاناتي.
ومع مرور الوقت صقلتُ نفسي قدر المستطاع بالطاعات من صلاة جميع الفروض في جماعة، بالإضافة إلى صلاة النوافل، والصيام، والصدقات، وكثرة الاستغفار، والمداومة على الذكر وقراءة القرآن، والتعوذ من الشيطان؛ حيث لم يكد الاستغفار يفارق لساني، وكنتُ دائمًا ما أسرع إلى الاستغفار والتوبة من أي ذنب أقع فيه، وأعاهد الله ألَّا أعود إليه مرة أخرى بصدق ويقين، مستحضرًا نية نيل فضل الله وبركاته ورضوانه في الدنيا والآخرة.
كنتُ دائمًا أدعو الله أن يثبتني عند البلاء وألا يفتنني في ديني -خاصة مع تدهور أحوال البلد الذي أعيش فيه-؛ حيث أصبحتُ لا أطمح إلى أي شيء في الدنيا غير أن أعيش في ستر منتظرًا انقضاء أجلي على خير، ومع ذلك عندما قدّر الله عليّ الفاجعة المفاجئة التي كنتُ دائمًا أتعوذ بالله منها، لم يكن التوفيق حليفي في أمنيتي الوحيدة، وهي الثبات على الدين عند الفتن؛ حيث بلغ مني الجزع والسخط مبلغًا لم أصل إليه قط.
وعلى عكس ما مرّ بي سابقًا، لا أجد في التوبة والرجوع إلى الله والصلاة وقراءة القرآن الطمأنينة والراحة والسلوان التي كنتُ أجدها بعد الرجوع إلى الله في الابتلاءات السابقة، بل على النقيض، لم يزدني تقرّبي إلى الله إلا حزنًا وألمًا.
أين الخطأ؟ كيف حدث هذا لي بعد كل ما قدمت؟ هل كان في الإمكان أفضل مما كان؟
من عادتي أنني لم أكن أبدا أشكو ما حلّ بي من بلاء إلا إلى الله، ولكن هذه المرة لا أجد عزاءً في الرجوع إلى الله، وقد ضاقت بي الدنيا، ولولا أن لي أخًا صغيرًا أرعاه بعد موت أبي -وهو عائلتي الوحيدة- لقتلتُ نفسي من يأسي في هذه الحياة التي لم أطلب أن يخلقني الله فيها!
بحث عن استشارة
الأعلى تقيماً

