الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أوفق بين العبادة والدراسة والعمل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كما يُقال: من استشار لم يندم، ومن استخار لم يخب، وبناءً على ذلك تواصلت معكم سابقًا، وأنا أثق بكم.

حلمي منذ زمن أن أكون إنسانًا متعلمًا، ومؤمنًا قويًا؛ فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأنا معجب بشخصية الدكتور (هيثم طلعت)، وأرغب في دراسة شيء أستفيد منه وأعمل به في الدعوة، خاصة في مجال الحوار مع الملحدين.

بعد أن تبت وابتعدت عن العلاقة المحرمة، جاءتني رغبة شديدة في الزواج، لكنني صرفت نظري عنها مؤقتًا، وركزت على حلمي في الدراسة.

حاليًا أعمل عملًا بحد أدنى للأجور، بلا مهنة واضحة، وهو عمل معزول، وقد استفدت منه في سماع الدروس الدينية، وتعلم اللغة الإنجليزية جيدًا -والحمد لله- لعدم وجود من يشغلني بالكلام، وأنا مضطر للعمل والدراسة؛ لأنني مسؤول عن مصاريف والدي، لكنني لا أريد أن أبقى هكذا بلا مهنة ولا دراسة.

أنوي الدراسة في جامعة أونلاين مرموقة نوعًا ما، وأحتاج إلى خمس ساعات يوميًا للدراسة (ساعتان دراسة، وثلاث ساعات تطبيق)، بينما أعمل عشر ساعات يوميًا، ولي يومان إجازة في الشهر.

الحمد لله التزمت بالصلاة في المسجد، ومنَّ الله عليّ بمحبة المسجد والشوق إليه، لكن المشكلة أن الصلاة مع الأذكار اليومية تستغرق نحو ثلاث ساعات، إضافة إلى قراءة جزء من القرآن يوميًا، مع قراءة أخرى لثلاث صفحات مع التفسير والفهم، فتأخذ نحو ساعة، فيصبح مجموع الوقت أربع ساعات يوميًا، ومع ضيق الوقت، أفكر في ثلاثة خيارات، خاصة أنني لا أريد دفع رسوم الجامعة (4000 دولار سنويًا) دون جدوى:

1- أن أستمر على هذا النظام، ولا أبدأ الدراسة حاليًا، وأتوكل على الله أن ييسر لي طريقًا آخر للدراسة، وهذا هو الخيار الذي أميل إليه، لكن أخشى أن يكون توكلًا دون أخذ بالأسباب.

2- أن أقلِّل من النوافل والأذكار، وأصلي في البيت، وأقتصر على الفرائض، فينخفض الوقت إلى نحو 45 دقيقة يوميًا، ثم بعد انتهاء الدراسة (أربع سنوات) أعود إلى نظامي السابق.

3- أن أعمل وأدخر لمدة ست سنوات، أوفر خلالها 50% من راتبي، ثم أدرس بعد ذلك أربع سنوات؛ وبذلك أحافظ على نظامي الحالي، لكن هذا سيؤخر زواجي قرابة عشر سنوات.

فما نصيحتكم؟ علمًا أنني سأعمل بما تشيرون به، ولن أندم على أي قرار بعد الاستخارة والاستشارة.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك مجددًا -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك ثقتك بالموقع ودوام تواصلك معنا، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به.

قد أحسنت -أيها الحبيب- حين قررت أن تستشير وتستخير؛ وهذا من توفيق الله تعالى لك، فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن ييسر لك الخير ويعينك عليه، ونشكر لك -أيها الحبيب- همتك العالية، وحرصك على تعلم دينك واكتساب رزقك الحلال، وهذا كله من توفيق الله تعالى لك.

ونحب أولًا -أيها الحبيب- أن نبشرك بأن ما تبذله من جهد لكسب المال الذي تنفقه على نفسك وعلى والدك؛ فإن هذا في حد ذاته جهاد في سبيل الله، وقد دلت على ذلك أحاديث رسول الله ﷺ الكثيرة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن كعب بن عجرة -رضي الله تعالى عنه- قال: مرَّ على النبي ﷺ رجلٌ، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقالوا: يا رسول الله، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيل الله؟ فقال ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْهِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».

فهذا الحديث العظيم يبين لنا ما يسر النفس ويدخل السرور إلى القلب؛ أن ما نبذله من الجهود في سبيل تحقيق هذه المنافع والمصالح، هو أيضًا من القربات العظيمة التي تقربنا إلى الله تعالى، فحسِّن نيتك -أيها الحبيب-.

بإمكانك بجانب هذا العمل، وبعد احتسابه، وبعد أن علمت أنه يصير قربة جليلة وعظيمة من القرب الكبيرة، بإمكانك أيضاً أن تحافظ على صلاتك، فإن محافظتك على الصلاة عونٌ لك على تحصيل منافعك، والله تعالى قد أرشدنا إلى الاستعانة بالصلاة، فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، فننصحك أن تديم ما أنت عليه من المواظبة على الصلاة في المسجد وحضور الجماعة.

أمَّا إذا تعارض ذلك مع عملك هذا الذي تعمله من أجل كسب لقمة عيشك ونفقات والدك، فإنه بإمكانك أن تصلي في المكان الذي أنت فيه، واحرص أن تكون صلاتك جماعة مع من استطعت في مكان عملك.

نحن لا ندري -أيها الحبيب- ما هي هذه الدراسة التي تريد أن تدرسها، ولا نعرف أيضًا أثرها على حياتك ومستقبلك؛ حتى نتمكن من إعطائك الرأي السديد حول اتخاذ القرار في مواصلة هذه الدراسة أو التوقف عنها.

ولكننا نستطيع أن نقول لك: إذا كانت هذه الدراسة مؤثرة في حياتك وستسهل لك أسباب عيشك وتنتفع بها؛ فإنها من المنافع التي ينبغي أن تحرص عليها وألا تؤجلها، فقد قال الرسول ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»، فهذه وصايا قيمة، احرص على ما ينفعك، ولا تترك هذه الدراسة، وسيعينك الله تعالى عليها.

بالنسبة للأذكار اليومية والصلاة، حاول أن تأخذ قسطًا وحصة ولو كانت يسيرة ما استطعت؛ حتى تتجاوز هذه المرحلة التي أنت فيها، ثم إذا يسر الله تعالى لك بعد ذلك فرصًا للعمل أسهل وأيسر من ذلك، عُدت إلى هذه البرامج النافعة، من إطالة الوقت في أنواع الأذكار وقراءة القرآن بالتدبر، ونحو ذلك.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لك الخير حيث كان ويُرضِّيك به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً