الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العلاقة بين زوجتي وأهلي سيئة ولا أعرف كيف أقرب بينهم!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قبل زواجي، وفي أيام الخطبة، كانت زوجتي وأهلي يتحدثون بشكل يومي ومنتظم، وكانوا أصدقاء إلى حدٍّ ما، وحتى بعد الزواج، كانت تحبهم كثيرًا وهم يحبونها كثيرًا، وكانوا يعتبرونها أكثر من ابنتهم، وكانوا يقولون لي كلامًا جميلًا في حقها ويُكثرون من الثناء عليها.

زوجتي لا تحب الكلام الكثير، وكانت بعد الزواج تبكي يوميًا تقريبًا، وعندما أسألها تقول لي: إنهم يكلمونها بطريقة غير جميلة، واستمر الحال أيامًا وشهورًا، وبرغم ذلك، كانت تأتي معي لزيارتهم بشكل منتظم، على الرغم من كل ما كانت تشتكي منه.

أنا لا أعلم نوع الكلام الذي كانوا يوجهونه إليها يوميًا حتى تبكي بسببه، وكنت لا أصدقها، وأقول في نفسي: إن أهلي بالتأكيد لا يقصدون مضايقتها بشكل متعمد، وكنت أقول لها إن هذه طباعهم، وإن أسلوبهم هكذا حتى مع أولادهم وبناتهم وأقرب الناس إليهم.

وفي إحدى المرات حصل خلاف بسيط بينها وبين أهلي، وسمعت طريقة أهلي في الحديث معها، وكانت بالفعل صعبة للغاية، ولكن المشكلة أنهم كانوا معتادين على التواصل معها باستمرار.

وفي مرة أخرى كان والدي مريضًا، ولم تسأل عنه، وبعد فترة تواصلت معه، فرد عليها بأسلوب صعب، وقد سمعت الكلام بنفسي، عندها أدركت أنني كنت ظالمًا لها كثيرًا، ومع ذلك، كانت تأتي معي إليهم وتذهب لزيارتهم عندما نزورهم، لكنها قطعت التواصل معهم، وأصبحوا إذا أرادوا التواصل معها يطلبون مني أن يكون ذلك من خلالي، واستمر الحال على هذا النحو، ولكنني أشعر بتعب وضيق دائمين بسبب ما وصلوا إليه.

أنا أحب زوجتي، وهي تطيعني وتسمع كلامي، وفي الوقت نفسه لا أستطيع الاستغناء عن أهلي، حاولت أن أفصل بين الطرفين، وأن أذهب إلى أهلي بمفردي وأتواصل معهم بنفسي، وأُبعد زوجتي عنهم بشكل كامل، سواء في التواصل أو الزيارات، لكنني لم أستطع، ولم أوفق في ذلك، وأرى أن الموضوع أصبح مستحيل الحل.

زوجتي مقتنعة دائمًا بفكرة أن أهل الزوج غالبًا ما يشعرون بالغيرة أو الكره تجاه زوجة ابنهم، وقد حاولت كثيرًا أن أوضح لها أن هذا ليس أمرًا عامًا، وأن الناس ليسوا سواء، وأن هناك اختلافًا بين الأشخاص، ووصل الأمر بيننا في يوم من الأيام إلى الطلاق بسبب هذا الموضوع.

أنا متعب جدًا بسبب هذه المشكلة، أريد أن أصلح العلاقة بينهم، وأعاني كثيرًا في سبيل ذلك، فمن ناحية، يرى أهلي أنهم لا يضايقونها ولا يتسببون لها في أي حزن أو ضيق، ومن ناحية أخرى، ترى زوجتي أنهم لا يحبونها ويكرهونها بشكل واضح.

لقد حاولت كثيرًا وكثيرًا لحل هذه المشكلة، ولكن دون جدوى، فهل من حل جذري لهذا الموضوع؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام، والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يُعينك على إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، كما قال النبي: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ».

والمعادلة ليست سهلة، لكنها بتوفيق الله ممكنة، فالشرع الذي يأمرك بإكرام أهلك والوفاء لهم، هو الشرع الذي يحذرك من ظلم هذه الزوجة المسكينة، فالشريعة التي تأمر بالبر لهم، تأمر أيضاً بحسن المعاشرة للزوجة، ولذلك من المهم جدًّا أن تعطي كل ذي حق حقه، فلا تُقصِّر مع أهلك، ولا تُقصِّر مع زوجتك، وأعتقد أنك بحاجة أولًا إلى تضييق فرص الاحتكاك.

أيضًا من الأفضل أن تستمر في الزيارة، ولو كانت الزيارات قصيرة، وتتحمَّل من أجل زوجها، و"من أجل عين تكرم ألف عين"، كما هو في المثل المصري الجميل، فلذلك هي تتحمَّل وأنت تُكرمها، وأنت تُقدِّر معاناتها، والمرأة إذا وجدت الدعم المعنوي كأن تقول: "ما شاء الله، أنا معجب بكِ، أنا مُقدِّر أن أهلي كلامهم صعب، لكن أنا عندي امرأة عظيمة، امرأة تصبر وتُقدِّر، ولن أجد مثلكِ"، مثل هذه المعاني لها أثر كبير جدًّا على الزوجة.

وينبغي أن يعلم كل زوج أن الزوجة عندما تشتكي من أهله، أو تشتكي من التعب، أو تشتكي من الجيران، أو كذا، هي لا تريد حلولاً بقدر ما تريد دعماً معنويًا، بقدر ما تريد تصبيرًا وتشجيعًا، وإشعارها بقيمتها، والاهتمام بها، وهذا ما ندعوك إليه، إذا كنت مع الأهل أكرمهم، وعظمهم، وقم بما عليك تجاههم، وإذا كنت مع الزوجة أكرمها، وعظمها، واهتم بها، وأشبع حاجتها، هذه أمور في غاية الأهمية.

فعندما يفصل الإنسان بين الأمرين، الأمور تتحسن، والزوجة الذي يُغيِّر عندها هذه الفكرة هي أن تجد منك الاهتمام، لا تجد منك الجدال والدفاع عن أهلك وكذا، يعني أنت لست مطالبًا بهذا، ولكن مطالب أن تعتذر عن أهلك، وأن تذكرها بالخير، وتنقل لها أفضل ما قالوه فيها، وأفضل ما ذكروه عنها، وتذكّرْها بالأيام الجميلة، وإذا ذهبت إلى أهلك أيضاً عليك أن تقول خيرًا، وتنمي خيرًا، وهذا هو دور المصلح، أنك إذا ذهبت إلى أهلك تقول: "هي تُثني عليكم، وتذكر الأيام الجميلة، وتسأل عنكم"، بمثل هذا الكلام الجميل، وإذا ذهبت إليها تقول: "هم يذكرونكِ ويشكرونكِ على الموقف الفلاني، ويتكلمون عنك بالخير".

هكذا المؤمن إذا سمع خيرًا نشره وضخمه وزاد فيه، هذا كله مسموح، وإذا سمع شرًا دفنه، وحبذا لو استطاع أن ينصح المتكلم بهذا الشِّر، ويكون النصح أيضًا بحكمة وعلى انفراد، ويكفي أن نذكر من يسيء بأنه يعطي الآخرين من حسناته، لكن لا ننقل الإساءة بينهم، ولا ننقل الكلام القبيح بينهم، وهذا له أثر كبير.

وعليه، نقترح عليك ما يأتي:

1. الإكثار من الدعاء بأن يؤلِّف الله بين القلوب، وأن يصلح ذات البين، وأن يرزق الجميع المودة والسكينة.
2. الحرص على إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، والعدل بين الزوجة والأهل، دون ميلٍ أو تقصير.
3. نقل الكلام الطيب والمواقف الحسنة بين الطرفين، ودفن ما قد يثير النفوس أو يزيد الخلافات.
4. إكرام أهلك والإحسان إليهم عند زيارتهم، وكذلك إكرام زوجتك وإشعارها بمكانتها واهتمامك بها عندما تكون معها.
5. مواساة الزوجة وتهدئتها، ووعدها بالسعي إلى تجنُّب الأمور التي تثير المشكلات أو تزيد من حدَّتها؛ فذلك من الأمور المهمة في بناء الاستقرار الأسري.
6. الاستمرار في زيارة الأهل ولو كانت الزيارات قصيرة، ويمكنك أن تصحب زوجتك معك، ثم تعتذر بلطف عن طول المكث، كأن تقول: "نحن مستعجلون، ولدينا بعض الارتباطات"، فمثل هذه الزيارات المختصرة تُحافظ على صلة الرحم، وتُقلِّل في الوقت نفسه من الاحتكاكات التي قد تنشأ بسبب طول الجلوس.
7. تجنَّب الدخول في نقاشات دفاعية حادَّة أمام أهلك بشأن زوجتك؛ لأن ذلك قد يُفسَّر لديهم على نحوٍ غير صحيح، واكتفِ غالبًا بحسن الاستماع، مع معالجة الإشكالات بهدوء وحكمة في الوقت المناسب.
8. وإذا تحدَّثت زوجتك عن أخواتك أو اشتكت من بعض تصرفاتهنَّ، فحاول تهدئتها بالكلام الطيب، كأن تقول: "أنتِ ما شاء الله صاحبة خُلُقٍ طيب، وكل إنسان يحتاج إلى الصبر والتغافل، وكلنا مسؤولون أمام الله عن أقوالنا وأفعالنا"، أو نحو ذلك من العبارات التي تُهدِّئ النفوس وتدعو إلى الصبر والتسامح.

أمَّا أن تقول: "أهلي جيدون وأهلي لا يفعلون كذا"، فهذا يعني أنك لا تصدقها، أنك لا تدعمها معنويًا، خاصةً بعد أن تبين لك أن الاحتكاك موجود، وأن الكلام القاسي موجود، ولذلك هذه الأمور تحتاج مِنَّا إلى حكمة في التعامل.

ونحن نفضل دائمًا عندما يكون الاحتكاك بين الزوجة والأخت، أو بين الزوجة والأم، أن يكون الرجل حريصًا في عدم التدخل؛ لأن التدخل غالبًا ما يفسر ليس في صالح هذه العلاقة، فإذا وقفت مع زوجتك أو أيدتها في شيءٍ؛ فهذا كبير عند أهلك، وأنها سيطرت عليك، وأنك تركتهم، وأنها، وأنها فعلت.

وإذا أيضًا زجرتها وقهرتها أمام أهلك، فهذا أيضًا يُبيِّن أنه لا قيمة لها، ولذلك من الحكمة أن تتركهم إذا تكلموا، ثم بعد ذلك إذا خلوت بها تقول: "أهلي أنا لا أمدحهم ولكن ينبغي أن تصبري عليهم، وهم أكبر منك سِنًّا مثل الوالدة، وأنا مُقدِّر الصعوبات التي تواجهك".

وإذا خلوت بأهلك تقول: "هي ندمت، وهي ما تقصد كذا، وهي تحب لكم الخير، وتذكركم بالخير"، هذا دور في غاية الأهمية، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً