السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاةٌ مقصرةٌ قليلاً في ديني، وأنا الآن أحاول أن أدرك ما فاتني من صلاة وقرآن، لكني أجد صعوبةً كبيرةً في الصلاة والعبادة؛ إذ أشعر كأنني أريد التقيؤ، مع تعبٍ شديدٍ ونغزاتٍ في الجسم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاةٌ مقصرةٌ قليلاً في ديني، وأنا الآن أحاول أن أدرك ما فاتني من صلاة وقرآن، لكني أجد صعوبةً كبيرةً في الصلاة والعبادة؛ إذ أشعر كأنني أريد التقيؤ، مع تعبٍ شديدٍ ونغزاتٍ في الجسم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى:
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويثبتك على طاعته، ويعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يصرف عنك كل سوء، ويجعل ما تجدينه سببًا لزيادة قربك منه لا لبعدك عنه.
من نعمة الله عليك أنكِ بدأتِ تحاولين تعويض ما فاتك من الصلاة وقراءة القرآن، فهذه نعمة عظيمة، وعلامة خير؛ لأن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرًا فتح له باب التوبة والإنابة.
كل بني آدم يقعون في الخطأ والذنب والتقصير، ونحن منهم، ولو لم نذنب لذهب الله بنا وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله تعالى، يقول -صلى الله عليه وسلم-: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»، ويقول: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
لقد أمر الله عباده جميعًا بالتوبة من الذنوب، فذلك طريق الفلاح، كما قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
التفاؤل مبدأ مهم في الحياة، ولذلك حثنا ديننا عليه، فمن النصوص التي تعلمنا وتحثنا على التفاؤل قول ربنا -جل في علاه-: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
مهما كان الذنب الذي ارتكبه العبد، إن تاب وأقبل على الله سبحانه، غفر الله له ذلك الذنب، يقول الله -عز وجل- في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة».
الشيطان الرجيم يجتهد في تثبيط الإنسان عن التوبة، ويسوف له، ويوجد أمامه العقبات والمشقة، ويتسبب له في حالة نفسية تجعله يشعر بأمور تشبه أعراض الأمراض العضوية، وهي في الحقيقة مجرد تأثيرات نفسية.
أفضل علاج لطرد الشيطان الرجيم كثرة الذكر، وتلاوة القرآن، والاستعاذة بالله منه ومن خواطره ووساوسه، وعدم الإصغاء لخواطره أو التحاور معها.
لا تجعلي ما تشعرين به سببًا لترك العبادة، فقد ذكرتِ أنكِ كلما أردتِ الصلاة أو العبادة شعرتِ وكأنكِ تريدين التقيؤ، مع تعب شديد ونغزات في الجسم.
ولا يمكن الجزم بسبب هذه الأعراض من خلال الاستشارة وحدها؛ فقد تكون أسبابها نفسية، كالتوتر أو القلق، وقد تكون عضوية تحتاج إلى تقييم طبي، وقد يكون بعضها مرتبطًا بالإجهاد أو غير ذلك، ولذلك لا ينبغي تفسيرها تفسيرًا واحدًا دون دليل.
مهما كان السبب، فلا تجعليه يصرفك عن طاعة الله، فالإنسان مأمور بعبادة ربه حتى يأتيه الموت، قال الله سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وبالصبر والمصابرة والمجاهدة يصل الإنسان إلى مبتغاه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
الشيطان الرجيم من ألد أعداء الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، وطريق الانتصار عليه الثبات على الدين وعدم الخوف منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
ما سبق من التحذير من الشيطان الرجيم ووساوسه وتأثيراته، إنما يجزم به بعد التأكد من أنه لا توجد أسباب طبية أو نفسية، ولذلك ينبغي الجمع بين الاستعانة بالله، والأخذ بالأسباب الطبية عند الحاجة.
لا تكلفي نفسك فوق طاقتها، فإذا كنتِ قد قصرتِ في الماضي، فلا تحاولي أن تنتقلي في يوم واحد إلى برنامج عبادي شاق، بل خذي الأمر بالتدرج، فربنا رحيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوبة تمحو ما قبلها.
ابدئي بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، ثم اجعلي لنفسك وردًا يسيرًا من القرآن، ولو صفحة واحدة، ثم زيدي شيئًا فشيئًا، ففي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
لا تؤخري التوبة بسبب الشعور بعدم الراحة؛ إذ من الخطأ أن ينتظر الإنسان حتى تزول جميع المشاعر المزعجة ثم يبدأ العبادة، بل العكس هو الصحيح؛ فإن الثبات على الطاعة من أسباب انشراح الصدر.
كلما جاهدتِ نفسك على الطاعة، رجونا أن ييسرها الله لكِ ويشرح صدركِ لها، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.
إذا كانت الرغبة في التقيؤ، أو التعب الشديد، أو النغزات في الجسم تظهر باستمرار، أو تزداد، أو تمنعكِ من أداء حياتك الطبيعية، فلا تكتفي بتفسيرها تفسيرًا روحيًا، بل راجعي طبيبة باطنية، وقد تحتاجين كذلك إلى استشارة طبيبة نفسية إذا تبين أن منشأها القلق أو غيره.
كل داء أنزل الله له دواء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا عباد الله؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله»، والتداوي لا ينافي التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.
دونك بعض الوصايا العملية المهمة:
• حافظي على الصلوات الخمس في وقتها، ولا تؤجليها بسبب هذا الشعور.
• أكثري من الدعاء، وخاصة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
• حافظي على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم.
• ابتعدي عن الذنوب التي قد تضعف القلب، وأكثري من الاستغفار، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
• احرصي على النوم الكافي، والتغذية الجيدة، وممارسة شيء من الحركة إن أمكن.
أخيرًا أقول لكِ: إن إحساسكِ بالتقصير ورغبتكِ في العودة إلى الله من علامات حياة القلب، فلا تيأسي، ولا تستسلمي لهذا الشعور، واستمري في السير إلى الله بخطوات ثابتة، مع مراجعة الطبيبة إذا استمرت الأعراض أو اشتدت.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر لكِ الطاعة، ويذهب عنكِ ما تعانين منه، ويجعلكِ من عباده الصالحين، ونسعد بتواصلك.