الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إخوتي يملكون سيارات وأنا لا، كيف أتخلص من الاجترار والحسد نحوهم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ عمري 35 سنة، موظف، وأعاني منذ مدة من الاكتئاب والقلق والأفكار الاجترارية، والسبب في ذلك هو إخوتي الأكبر مني، فهم لديهم ثلاث سيارات، بينما أنا لا أملك سيارة، وأعاني كثيرًا في التنقل وقضاء مصالحي.

أكثر ما آلمني أنهم لم يبادروا بمساعدتي، أو بمنحي إحدى سياراتهم لقضاء حاجاتي، رغم أنني تحدثت معهم مراتٍ عدة، ولدي رخصة قيادة، وينقصني فقط التدريب لأيامٍ قليلة، فقد دربوني قليلًا ثم استغنوا عني، ولا يسمحون لي باستخدام سياراتهم.

وما آلمني أكثر وبشدة أنني أرى يوميًّا إخوةً لديهم سيارة واحدة يستخدمها الجميع، وقد تعبت نفسيًّا بسبب كثرة التفكير في هذا الأمر، وتحدثت مع أخي الأكبر، وهو طيب القلب وليس مثل الآخرين، فقال لي: تعلَّم القيادة عند أصدقائك أو في مدرسة تعليم القيادة؛ لأنه مريض نفسيًّا ومصاب بالسكري، وقال لي: خذ السيارة كما تشاء بعدها، لكن عندما أركب معه في السيارة لا يعرض عليَّ أن يعلمني بنفسه، وأنا أستحي منه، وأرى أن تكرار طلبي قد يكون إهانةً لي، وكرامتي عزيزة عليَّ، فقد كنت أتمنى فقط مبادرةً منهم، ولو كنت مكانهم، لما حرمتهم من سيارتي.

كلما رأيت سياراتهم، أو احتجت إلى سيارة ولم أجدها، أو رأيت أحدهم يشتري سيارةً جديدة، تعود إليَّ هذه الأفكار بقوة، فأبدأ في اجترار الماضي، وأشعر بالخذلان والحزن والغضب، ثم تتوالى الأفكار حتى يعود إليَّ الاكتئاب والقلق، كما أن أيام الفراغ، خاصة يومي الجمعة والسبت، تزيد فيها هذه الأفكار كثيرًا، بينما تخف عندما أكون منشغلًا في العمل.

ويزيد ألمي أيضًا أن بعض إخوتي إذا احتاجوا إلى مالٍ أو مصلحةٍ يأتون إليَّ، بينما أشعر أنهم لا يتواصلون معي إلَّا عند الحاجة، وهذا الأمر يؤلمني.

أصبحتُ أعاني، وفقدتُ راحتي النفسية، وأصبحتُ لا أحب رؤيتهم، ولا رؤية سياراتهم، وتأتيني أحيانًا أفكار غضب شديدة، وشعور بالحقد والحسد تجاههم بسبب كثرة الضغوط التي أشعر بها، بل تأتي أحيانًا أفكار بإشعال سياراتهم، لكنني أستعيذُ بالله منها، ولا أريدُ تنفيذها، إلَّا أنها تخيفني وتزيد همي.

أرشدوني، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، وأن ينفع بعلمكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، وأسأل الله أن يكون في هذه الكلمات ما يخفف عنك ما تحمله من همٍّ وحزنٍ.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني منذ مدةٍ من اكتئابٍ، وقلقٍ، وأفكارٍ تلح عليك بالتكرار، وأن جذور هذه المشاعر تعود إلى إحساسك بالغبن تجاه إخوتك الذين يملكون سياراتٍ ولم يبادروا إلى مساعدتك، رغم قربهم منك، ورغم أنك تحمل رخصة قيادةٍ وينقصك تدريبٌ بسيطٌ، وزاد الأمر إيلامًا شعورك بأن بعضهم لا يتذكرك إلَّا حين يحتاجون إليك، بينما يتجاهلون حاجتك حين تحتاج إليهم، ثم توالت عليك الأفكار حتى وصلت إلى خواطر غضبٍ وحقدٍ، بل حتى خواطر عدوانيةٍ تجاه ممتلكاتهم استعذت بالله منها فور مرورها بذهنك.

أول ما أحب أن أطمئنك إليه -أخي الكريم- هو أمر تلك الخواطر التي أخافتك، فاعلم أن مجرد مرور فكرةٍ بذهن الإنسان، ما دام لم يعزم عليها، ولم ينطق بها، ولم يسع لتنفيذها، لا يؤاخذه الله عليها، بل هذا من رحمة الله بعباده، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ».

وخوفك من هذه الخواطر واستعاذتك بالله منها هو بحد ذاته دليلٌ على سلامة قلبك، فلا تحمّل نفسك وزر خاطرٍ عابرٍ لم ترض به، لكن كثرة هذه الخواطر وشدتها وتكرارها مؤشرٌ مهمٌّ على أن نفسك تحمل من الضغط أكثر مما تحتمل، وسأعود إلى هذه النقطة.

المسألة الثانية -أخي الكريم- أن أصل هذا الألم هو المقارنة، ومن سنة الله في خلقه أنه فاوت بين عباده في الرزق ابتلاءً وحكمةً يعلمها هو سبحانه، يقول الله عز وجل: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}، وقال سبحانه: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.

فامتلاك إخوتك سياراتٍ وعدم امتلاكك لها ليس حكمًا على قيمتك أو مكانتك عند الله، وليس تقصيرًا منك، وإنما قسمةٌ قدرها الله بحكمته، وقد حذر النبي ﷺ من أثر النظر إلى من هو أعلى منا في أمور الدنيا فقال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

وهذا لا يعني إنكار ألمك من عدم مبادرة إخوتك، فمشاعرك مفهومةٌ، لكن الخطر أن يتحول هذا الألم إلى اجترارٍ يستنزف طاقتك ويوغر صدرك تجاه من تحبهم.

النقطة الثالثة، احذر -أخي الكريم- من أن يتسلل الحسد إلى قلبك دون أن تشعر، فقد حذر النبي ﷺ منه بقوله: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ»، والحسد يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي المحسود، فهو ينغص عليك حياتك بينما إخوتك يعيشون حياتهم دون أن يشعروا بما تشعر به تجاههم.

وأما شعورك بأن بعضهم يتذكرك فقط حين تكون لديهم مصلحةٌ فهذا مؤلمٌ فعلًا، ونصيحتي أن تستمر في الإحسان إليهم لوجه الله لا لأجل أن يردوا لك الجميل، فصلة الرحم عبادةٌ تؤجر عليها سواء وصلوك أو قطعوك، قال ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، لكن هذا لا يمنع أن تضع حدودًا صحيةً تحفظ كرامتك، فالإحسان إليهم شيءٌ، والسماح لهم باستغلالك شيءٌ آخر.

أمَّا الجانب العملي فأنصحك بما يأتي:

• أولًا: اجعل إتمام تعلم القيادة هدفًا مستقلاً عن إخوتك تمامًا، فسجل نفسك في مدرسةٍ معتمدةٍ أو أكمل تدريبك مع صديقٍ آخر، فأنت أقرب للحل من أيامٍ قليلةٍ تفصلك عن استقلالك، ولا تجعل كرامتك رهينةً بمن لم يبادر، فطلب المساعدة من مصدرٍ آخر أكرم لنفسك من انتظار مبادرةٍ طال انتظارها ولم تأتِ.

• ثانيًا: إذا كان الجانب المالي عائقًا أمام امتلاك سيارةٍ فضع خطة ادخارٍ واقعيةً ولو بسيطةً، فالتخطيط العملي يمنحك إحساسًا بالسيطرة على حياتك ويقلل من شعور العجز الذي يغذي الاجترار.

• ثالثًا: انتبه إلى أن أيام الفراغ كالجمعة والسبت هي أخطر أوقاتك، فحاول أن تملأها ببرنامجٍ واضحٍ يشمل وقتًا للعبادة وقراءة القرآن، ووقتًا للحركة البدنية فهي تفرغ كثيرًا من الشحنة النفسية، ووقتًا لصلةٍ اجتماعيةٍ مفيدةٍ بعيدًا عن التفكير في إخوتك وسياراتهم.

• رابعًا: حين تعود إليك أفكار المقارنة درب نفسك على أن تقول لنفسك فورًا: هذه قسمة الله وسأسعى بأسبابي، ثم اشغل نفسك فورًا بفعلٍ محددٍ كالوضوء أو الذكر أو الخروج للمشي؛ فمقاومة الفكرة بالانشغال أنجح من محاورتها داخليًّا.

وفي الجانب الإيماني:
•أكثر من الاستغفار فإنه يجلب الرزق كما قال تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}.
• والزم دعاء الرضا بالقسمة، ومن ذلك ما كان يدعو به النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْن مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا».
• وتذكر قول أبي العتاهية في القناعة:
فَاقْنَعْ بِعَيْشِكَ يَا فَتَى ... وَامْلِكْ هَوَاكَ وَأَنْتَ حُرُّ

فمن ملك رضاه عن قسمة ربه ملك راحةً لا يملكها من عنده الدنيا كلها ونفسه غير راضيةٍ.

أخي الكريم: ما تصفه من اكتئابٍ مستمرٍ، وقلقٍ، وأفكارٍ اجتراريةٍ متكررةٍ، إضافةً إلى تلك الخواطر العدوانية التي أزعجتك، أمورٌ تستحق عنايةً متخصصةً، ولا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، لكن للأمانة والموضوعية أنصحك بشدةٍ بزيارة طبيبٍ نفسيٍّ أو أخصائيٍّ مؤهلٍ يستمع لتفاصيل حالتك بشكلٍ أعمق، ويضع لك خطةً علاجيةً مناسبةً؛ فبعض هذه الأفكار المزعجة قد تكون من نوع الأفكار الاقتحامية التي يعرفها المختصون جيدًا ولها طرقٌ علاجيةٌ فعالةٌ بإذن الله، وطلب هذه المساعدة ليس ضعفًا، بل هو من كمال الأخذ بالأسباب الذي أمرنا الله به.

نسأل الله أن يفرج همك، وأن يوسع عليك رزقك من حيث لا تحتسب، وأن يشرح صدرك، وأن يؤلف بينك وبين إخوتك على الخير، وأن يجعل ما تمر به سببًا في رفعة درجتك عنده، نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً