الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أصارح مديري برغبتي في ترك العمل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قررت التوقف عن العمل؛ لوجود بعض المخالفات الشرعية فيه، ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولكنني لا أرغب في التصريح لصاحب العمل بأن سبب تركي له هو وجود هذه المخالفات الشرعية؛ تجنبًا للخلاف والإحراج، وأريد أن أخبره فقط بأنني سأتوقف عن العمل لأسباب شخصية، أو لأنني قررت تغيير نوعية المشاريع التي أعمل معها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك اتخذت قرارًا بترك عملك الحالي بسبب وجود مخالفات شرعية فيه، ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وأنك لا ترغب في مصارحة صاحب العمل بالسبب الحقيقي، تجنبًا للخلاف والإحراج، وتفكر في الاكتفاء بذكر أسباب شخصية، أو الرغبة في تغيير نوعية المشاريع التي تعمل معها.

وقبل كل شيء، نود أن نثني على همتك، وصدق نيتك في هذا القرار، فترك مصدر رزق أو فرصة عمل من أجل التنزه عن مخالفة شرعية، أمر يدل على يقظة القلب وحساسية الضمير الإيماني، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة يغبطك عليها كثيرون ممن قد يتساهلون في مثل هذه المواقف، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وأنت بحمد الله قد أخلصت نيتك لله، فاطمئن أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

أمَّا بخصوص سؤالك عن كيفية إخبار صاحب العمل، فاعلم -أخي الكريم- أنك لست ملزمًا شرعًا ولا عرفًا، بأن تفصح لأي جهة عن كامل الأسباب الداخلية التي دفعتك إلى اتخاذ قرار شخصي، كترك الوظيفة؛ فهذا من خصوصياتك التي لا يجب أن يطلع عليها أحد، إن لم ترغب في ذلك.

وعليه، فإن الاكتفاء بذكر عبارة عامة صادقة، مثل: "أسباب شخصية"، أو "الرغبة في التوجه إلى نوعية مختلفة من المشاريع"، ليس كذبًا البتة، بل هو تعبير حقيقي وصحيح عن واقع الأمر من زاوية عامة؛ فقرارك بالفعل شخصي، وأنت بالفعل تريد التوجه إلى مشاريع أخرى تخلو من المحاذير الشرعية، فالعبارتان صادقتان، وإن لم تفصحا عن جميع التفاصيل.

وقد عرَّف علماؤنا -رحمهم الله- ما يُسمى بالمعاريض، وهي أن يتكلم الإنسان بكلام صحيح في ذاته، يفهم منه السامع معنًى معينًا، دون أن يكون في ذلك كذب، وقد ورد في بعض الآثار: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ»، أي: إن الإنسان يستطيع أن يعبِّر عن مقصوده بطريقة صادقة، دون الدخول في تفاصيل قد تجلب عليه ضررًا، أو تسبب خلافًا لا داعي له.

وموقفك هذا من الأمثلة التي يمكن أن يُستفاد فيها من هذا المعنى؛ فأنت لست مطالبًا بأن تذكر لصاحب العمل جميع التفاصيل التي دفعتك إلى ترك العمل، ولا بأن تجعل مغادرتك مجالًا للخلاف أو المواجهة، وإنما يكفي أن تعتذر بأسلوب حسن، وأن تذكر سببًا عامًا صادقًا، ثم تمضي فيما عزمت عليه، محافظًا على دينك، وحسن علاقتك بالآخرين.

ومن الناحية العملية، ننصحك بأن تحسن طريقة خروجك من العمل قدر الإمكان؛ فاشكر صاحب العمل على الفرصة التي أتاحها لك، وقدِّم اعتذارك عن الاستمرار بأسلوب لطيف ومهني، دون الدخول في تفاصيل لا ترغب في ذكرها، واحرص كذلك على أداء ما عليك من التزامات قبل مغادرتك، حتى يكون خروجك بصورة حسنة، تحفظ لك ولصاحب العمل الحقوق والاحترام المتبادل.

وفي الوقت نفسه، احرص على ألا يترك قرارك أثرًا سلبيًا في العلاقة الإنسانية بينكما؛ فالمقصود هو التخلص من المخالفة، لا إحداث قطيعة أو عداوة، وقد أرشدنا الله تعالى إلى مقابلة الأمور بالحسنى، فقال سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، فحسن الخلق، ولين الكلام، وحفظ الود، من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، ولا سيما في مثل هذه المواقف.

ولا تخف من قلة الرزق بعد تركك هذا العمل، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن أروع ما يذكر في هذا الباب موقف الصحابي الجليل الذي كان يعمل في تجارة فيها شبهة، فتركها طلبًا للحلال فعوضه الله رزقًا مباركًا، وقد قيل في الحكمة:

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا *** وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَماَشٍ فَوْقَ أَرْض *** الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً *** إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى

فقرارك وإن بدا صعبًا الآن، إلا أنه بذرة خير ستجني ثمارها إن شاء الله عاجلًا أو آجلًا، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3]، فتوكل على الله واثبت على قرارك، ولا تلتفت لوسوسة النفس التي قد تدفعك للتراجع خوفًا من فوات الرزق.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يعوضك خيرًا مما تركت.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً