الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف تتعامل الزوجة مع أسرة الزوج الذين يتهمونها بالعين؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شيخنا الفاضل، هناك أخت متزوجة من رجل أرمل لديه أولاد، وابنه الأكبر متزوج ولديه أطفال، وهي تعيش معهم جميعًا في البيت نفسه.

بعد الزواج، بدأت تحدث مشكلات بينها وبين زوجها، وكانت تشعر بضيق شديد من الغرفة والبيت، وتتغيَّر حالتها عندما تخرج من المنزل؛ فتشعر بالراحة، بينما تكون عصبيةً ومتضايقةً عندما تبقى فيه، وتحدث بينها وبين زوجها مشكلات على أبسط الأمور.

وفي إحدى المرات، عندما كانت تُغيِّر مكان السرير، وجدت تحته سائلًا أصفر مسكوبًا على السجادة، وكان زوجها موجودًا حينها، لكنهما لم يتحدثا مع أحد بخصوص ذلك؛ حتى لا يتسبَّب الأمر في إزعاج أحد أو إثارة المشكلات.

ولا تزال المشكلات مستمرةً بينها وبين زوجها، بل امتدت حتى أصبحت بينها وبين أولاد زوجها وزوجة ابنه، بعد أن كانت علاقتها بهم جيدةً، وأصبحوا إذا حدث لهم شيء يشيرون إليها بأنها تصيبهم بالعين، إن لم يكن ذلك بصورة مباشرة، فبالهمز واللمز، وخاصةً ابنة الزوج وزوجة ابنه؛ فإذا وقع طفل نظروا إليها، وإذا رسب أحد أو لم ينجح، أشاروا إليها وكأنها السبب في ذلك.

علمًا بأنها لا تحمل لهم إلَّا الخير، ولم تتعمد مضايقتهم بشيء، بل إنها أحيانًا تفضلهم على نفسها، وهي تتساءل: ماذا تفعل حتى توضح لهم أنها لا تريد لهم إلَّا الخير، وأنها لا تحمل تجاههم سوءًا؟

والسؤال: هل يمكن أن يؤثر السحر في الشخص بطريقة تجعل من حوله يسيئون الظن به، ويتخيلون عنه أمورًا غير واقعية، بما في ذلك ظنهم أنه يصيبهم بالعين؟

جزاكم الله خيرًا، وزادكم من فضله وتوفيقه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ محبة الإسلام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ مع الموقع وثقتكِ فيه، كما نشكر لكِ حرصكِ على مساعدة هذه الأخت، وعلى استقامة حال أسرتها، واستمرار الألفة بينها وبين أهل بيتها.

واعلمي جيدًا -أيتها الأخت الكريمة- أن الصبر دائمًا عاقبته إلى خير، ونهايته حلوة، كما قال الشاعر:
الصَّبْرُ كَالصَّبِرِ مُرٌّ فِي مَذَاقَتِهِ ... لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ

واعلمي أن الإنسان في هذه الحياة في اختبار وامتحان، وقد يقدِّر الله تعالى عليه بعض المنغصات، ولكن في هذه المحن أنواع من المنح والعطايا الإلهية؛ ففيها اختبار لصبر الإنسان، وفيها الأجور العظيمة على صبره، فإن الله تعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، وقد قال بعض الصالحين: "لولا المصائب لقدمنا على الله تعالى مفاليس".

فاعلمي جيدًا أن كل ما يؤذي الإنسان في هذه الحياة، إذا قابله بالصبر والاحتساب، فإنه يتحول إلى نعمة، كما أخبر بذلك الرسول الكريم ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ».

ثم اعلمي -أيتها الأخت العزيزة- أنه لا يجوز الجزم بوجود سحر لمجرد وجود مشكلات في البيت، أو العثور على سائل أصفر كما وصفتِ في سؤالكِ، ولا يجوز بناء الاتهامات والظنون على هذه الأمور؛ فقد يكون لهذا السائل أسباب مادية كثيرة، وقد تكون المشكلات الزوجية والعائلية ناتجةً عن أسباب اجتماعية أو نفسية.

كما أن مجرد نفور بعض أفراد أسرة الزوج من هذه الأخت، قد تكون له أسباب تتعلق بطبيعة العلاقات الأسرية والظروف المحيطة بها، فلا ينبغي لها أن تحمل الأمور أكثر مما تحتمل، أو أن ينصرف ذهنها إلى وجود سحر، أو عين، أو نحو ذلك؛ فهذا التفسير للأمور قد يزيدها ضيقًا وحرجًا وألمًا.

فانصحيها بأن تتعامل مع هذه الأمور بهدوء وروية، وألَّا تحاول تفسير كل مشكلة بهذا التفسير، بل تتعامل مع الواقع بهدوء، وتحافظ على أذكار الصباح والمساء، وتكثر من قراءة القرآن، ولا بأس أن ترقي نفسها بالرقية الشرعية من غير مبالغة ولا خوف؛ فإن الرقية تنفع مما نزل ومما لم ينزل؛ لأنها أذكار وأدعية مشروعة.

ومع هذا، ينبغي لها أن تبحث مع زوجها عن أسباب الخلافات الزوجية والعائلية، وأن تحاول علاجها بهدوء وحكمة.

وقد أحسنتِ -أختنا الكريمة- حين نقلتِ عنها حرصها على أن توصل إلى أهل البيت رسالةً واضحةً بأنها لا تريد لهم إلا الخير، وهذا التفكير الجميل ينبغي أن يتبعه العمل، وأفضل طريقة لإيصال هذه الرسالة هي السلوك الهادئ والمعاملة الحسنة.

فانصحيها بألَّا تُكثر من الدفاع عن نفسها، وأن تقول لهم بوضوح ولطف إنها لا تريد لهم إلَّا الخير، وأنها تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، وأنها إذا صدر منها شيء آذاهم، فقد يكون قد صدر منها بغير قصد، ويمكنهم أن يخبروها به حتى تعالج الأمر بما يرضي الجميع.

كما يمكنها أن تذكِّرْهم بأن حسن الظن مطلوب من المسلم، وأنهم يعيشون في أسرة واحدة، فينبغي أن يبنوا علاقاتهم على حسن الظن بعضهم ببعض.

وهذا يكفي في إيصال هذه الرسالة، وليست بحاجة إلى الدخول في جدال دائم عند كل حادثة، بل تحاول بهدوء أن تستعين بزوجها لحل هذه الخلافات، فإذا تفهم الزوج حرصها على الخير للأسرة، أمكنه أن يساعدها في تجنب كثير من هذه التلميحات والاتهامات، وأن يسهم في تهدئة الأجواء داخل البيت.

وفي الختام -أيتها الأخت العزيزة-: ذكِّري هذه الأخت بأن الحياة لا تخلو من المنغِّصات والآلام، وأن صبرها على هذه المنغصات جزء من نجاحها في التعامل معها، فإذا صبرت واحتسبت، فإنها ستلقى أجر ذلك الصبر والاحتساب.

وهذا لا يعني الاستسلام، أو ترك محاولة إصلاح الحال وعلاج المشكلات، وإنما ينبغي لها أن تجمع بين الصبر والسعي في الإصلاح، وأن تدرك أن هذه الحياة لن تحلو للإنسان من كل وجه؛ فهذه طبيعة الدنيا.

نسأل الله تعالى أن يتولى عونها، وأن يصلح بينها وبين زوجها وأهل بيته، وأن يُؤلِّف بين قلوبهم، ويصرف عنهم السوء وسوء الظن، كما نسأله سبحانه أن يجزيكِ خيرًا على حرصكِ عليها، وأن يُيِّسر للجميع كل خير.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً