الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خرجت من المنزل خوفًا على نفسي من غضب والدتي، فهل ذلك من العقوق؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لديَّ سؤال بخصوص ما إذا كنت قد عققت والدتي.

أنا صاحبة الاستشارة رقم: (2572899)، وقد بدأتُ بتطبيق نصائحكم، حتى جاء يوم لم أكن فيه مركزةً مع أمي في المطبخ، فسألتني عن "زبدية الزبدة"، فقلتُ لها: الزجاجية؟ فغضبت بشدة، علمًا أننا جدد في هذا البلد، وليس لأمي فيه أقارب، وإنما الأقارب من جهة أبي.

استمرت أمي في الصراخ والانهيار، وأخذت تضرب نفسها حتى لا تضربني؛ لأنني في مرة سابقة، عندما ضربتني، بكيتُ وأصابني فرط في التنفس، ومن شدة غضبها قالت لي: "أعطيكِ عهد الله، إن أردتِ الذهاب إلى أبيكِ فلن أمانع".

كنتُ في رعب ورعدة شديدين، كما أن هناك موقفًا سابقًا، حين احترق الإناء، فخنقتني أمي من شدة توترها، ثم تمالكت نفسها، علمًا أن هذا ليس من عادتها، وإنما كانت متوترةً وقتها، لذلك خفتُ هذه المرة أن تفقد السيطرة وتؤذيني أو ترتكب في حقي أمرًا خطيرًا، خاصةً أنها منعت عني دواء فقر الدم وأخذت هاتفي.

وعندما ذهبتُ لأصلي المغرب، ارتديتُ عباءتي وخرجتُ من المنزل خوفًا على نفسي، وسخَّر الله لي رجلًا في مقام والدي، أخذني إلى صديقة أمي وزوجها، لكن الجميع انتقدني، كما خرجت أمي إلى الشارع وهي تبكي، ثم سقطت، فحزنتُ لذلك جدًّا، ولم أكن أريد إيذاءها.

وقد أخبرتني أمي بعد ذلك أنها لم تكن لتعود إلى الصراخ أو إيذائي، وقالت لي: لم أكن لأعود إليكِ، بل ذهبتُ للصلاة واستعذتُ بالله، إلَّا أنني لم أكن أظن ذلك وقتها؛ فعندما تصل والدتي إلى هذه المرحلة من الغضب أعرف حالها، وربما لم تتذكر شدة ما حدث بسبب غضبها في ذلك الوقت.

فهل خروجي من المنزل في تلك اللحظة خوفًا على نفسي يُعد عقوقًا أو إثمًا؟ وما حكم نيتي الذهاب إلى أبي فرارًا من الخوف؟

أمَّا السؤال الثاني، فهو متعلق برغبتي في الزواج من رجل صيني مسلم؛ لحبي لملامحهم، ورغبتي في تغيير حياتي، وتجنب بعض المعاصي، كالغيبة التي قد أقع فيها مع أمي.

كانت أمي قد رفضت هذه الفكرة سابقًا؛ خوفًا من عدم حصول الأطفال على الجنسية، ومن المشكلات التي قد تترتب على ذلك، لذلك بدأتُ أبحث في الخفاء، مستعينةً ببعض الأشخاص لمساعدتي في العثور على زوج صيني مسلم؛ لأنني أشعر بأنني لن أسعد بالزواج من غير صيني، وأخشى أن يتزوجني شخص آخر ثم يطلقني إذا صارحته بإعجابي بملامح الصينيين.

وعندما علمت أمي بما فعلتُ صُدمت، وقال لي بعض الناس إن ما فعلته لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إغضابها، مع أن أمي قالت لي لاحقًا: "لو أخبرتني لساعدتكِ في البحث"، إلَّا أن نقاشنا السابق حول هذا الأمر انتهى بسخطها ورفضها للفكرة إن أقدمتُ عليه.

كما أن زوج صديقتها وعدني بالبحث عن رجل صيني مسلم يحمل جنسية بلدي، ورأيتُ في ذلك تسخيرًا من الله.

وأسئلتي هي:
• هل أُعد عاقةً بسبب خروجي من البيت في تلك اللحظة خوفًا على نفسي؟
• هل أُعد عاقةً بسبب نيتي الذهاب إلى والدي؟
• هل أثمتُ بسبب بحثي في الخفاء عن زوج صيني مسلم؟
• هل ما حدث لي يُعدُّ ابتلاءً، أم أنني عصيتُ الله فيما فعلتُ؟ وهل يمكن أن تستجاب دعوات أمي عليَّ؟

جزاكم الله خيرًا، وأتمنى منكم مراجعة استشارتي السابقة، حتى تتمكنوا من الإجابة عن أسئلتي بصورة أدق.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ مريم، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

باعتبار أن استشارتكِ متعلقةٌ باستشارة سابقة؛ تم الحديث فيها عن الآلية الأنسب للتعامل مع الوالدة، فإنني سأتجاوز الكثير من النقاط المتعلقة بهذا الشأن، وسأركز حول الأسئلة الأخيرة التي تفضلتِ بها:

• موضوع نيتكِ لترك والدتكِ والذهاب إلى والدكِ، لا أراه مناسبًا؛ فهي في أمس الحاجة إليكِ، ولا تربطي بين سلوكها معكِ، وبين ترككِ لها.

فما تتعرض له أمكِ من عصبية وانفعال حاد يجعلها تخرج عن طورها يحتاج منكِ إلى مزيج من الصبر، والاستيعاب، ومراعاة وضعها الصحي الذي يجعلها غير مسيطرة على انفعالاتها، مع محاولة علاجها طبيًا من خلال طبيب أو مختص نفسي كما أشرتُ لكِ سابقًا.

• لا يؤاخذكِ الله على نيتكِ ما لم تفعلي، بل إن نية السوء يجازي الله عليها بالأجر إن تراجع عنها صاحبها، كما جاء في الحديث: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً».

• من المهم جدًّا أن توجدي لكِ علاقات صحية جيدة، وبيئة إيجابية؛ فعملية الاستنزاف اليومي التي تتعرضين لها نتيجة العيش تحت ضغط البيت لا بد من التنفيس عنها من خلال بيئات صحية خارج البيت.

أرجو ألَّا تتهاوني بهذه النقطة؛ حتى لا تتعرضي لاستنزاف نفسي يؤثر على جميع جوانب حياتكِ.

• أمَّا موضوع البحث عن زوج صيني وهل يدخل في إطار الإثم أم لا؛ فأود أن أبين لكِ أن مثل هذه الموضوعات لا علاقة للإثم فيها، فهي تفضيلات شخصية، يتباين الناس في رغباتهم فيها، ولا إثم يترتب على أي تفضيل فيها.

ولكني مع ذلك أرغب في الوقوف مع المعيار الذي وضعتِه لنفسكِ للارتباط بزوج المستقبل، وهو "الشكل"، والذي بناءً عليه اخترتِ الشخصية الصينية باعتبار استحسانكِ للجمال الصيني.

ولا أظنكِ يخفاكِ -أختي الكريمة- أن الجمال والاستحسان الشكلي -على أهميته- لكنه بالتأكيد لا يصح أن يكون معيارًا وحيدًا، ولا معيارًا ذا أولوية عالية في اختيار الزوج، وخاصةً في اختيار المرأة للرجل؛ ذلك أن المرأة ستتأثر تأثرًا بالغًا بأخلاق وصفات الرجل أكثر من شكله، بينما يأخذ الجمال أولويةً أعلى عند اختيار الرجل لزوجته.

إن اختياركِ لشخص صيني لمجرد الجمال الشكلي ينعقد على تحديات متعلقة بالكثير من الجوانب؛ مثل اللغة، ومكان العيش، واختلاف الثقافات والبيئات، وكل هذه من الأمور المؤثرة جدًا على استقراركِ الأسري.

هذا بعيدًا عن جانب التدين الشخصي الذي لم أناقشه باعتباره شرطًا مفترضًا لديكِ، ومع ذلك فإن تيسر ما تبحثين عنه دون الإخلال بالأمور التي ذكرتها لكِ فهذا شيء حسن، المهم ألا تمضي سنوات عمركِ في انتظار وهم من الصعب أن يتحقق.

• خروجكِ من البيت بهذا الشكل الذي حصل، لا شك أنه غير مناسب إطلاقًا، وكون أن عون الله كان معكِ في تذليل ذلك الشخص الجيد معكِ، فإن هذا لا يعني أن مثل هذه الخطوة كانت صحيحةً، ولكنه توفيق الله لكِ.

• من خلال طبيعة الأسئلة التي تفضلتِ بالسؤال عنها، أحب أن أوجهكِ بالتخفيف من التفكير المثالي الذي يؤدي أحيانًا إلى شيء من الإصابة بالوسوسة.

لا أحب لكِ أن تستفيضي بمثل هذا النوع من الحساب الشديد للنفس على أمور لم تفعليها أصلًا، حاولي أخذ الأمور ببساطة أكبر، لا تتعاملي بتحفز عالٍ لما يجري حولكِ، بما في ذلك عصبية والدتكِ، وصراخها، وانفعالاتها؛ فهي لا تستهدفكِ بشكل مباشر بقدر ما أنها تعبر عن تأزم انفعالي لديها كان من الممكن أن ينفجر في وجه أي شخص ملازم لها غيركِ.

مرةً أخرى أنصحكِ بالخروج بتفكيركِ من دائرة هذه المشكلة، واصنعي لكِ أهدافًا، وبرامج، وأشغالًا متعددةً؛ فهذا سيساهم في عزلكِ قليلًا عن هذا الهم الدائم الذي تفكرين به.

ختامًا: يُرجى التكرم بـالمراسلة الموقع ببريد إلكتروني موحد؛ ضمانًا لسهولة المتابعة وتفاديًا للتكرار، ونسأل الله العلي القدير أن يلطف بوالدتكِ، ويأخذ بيدكِ، ويكتب لكِ التوفيق والسداد في جميع أموركِ.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً