الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بسبب الصلع والقصر، أصبحت في حالة نفسية سيئة

السؤال

السلام عليكم.

أنا طالب جامعي، أعاني من صلع وراثي، وطولي 168 سم؛ لدي خوف عميق من مسألة الزواج؛ فأنا أخاف أن يعيق طولي وشعري الارتباط والزواج، وخصوصاً أني سمعت أن النساء يهتممن بهذه المسألة.

لقد جربت أدوية للشعر، لكنني توقفت عنها منذ فترة، وبالنسبة لطولي فأنا أقارن نفسي بالآخرين، وأرى أن النساء أطول مني في الشارع؛ مما يجعلني أحزن، وأخاف من الرفض، ولا أريد أن تفرض علي فتاة لا تعجبني فقط بسبب طولي وشعري، وقد أصبحت أعاني من حالة نفسية صعبة تؤرقني وتحرمني النوم، فهل يمكن أن تقبل الفتيات بحالتي؟ كما أنني معجب بفتاة، ولكنها أطول مني بشكل واضح.

أرجو الرد؛ لأني أعاني نفسياً وأريد شيئاً يطمئنني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرُّشد في القول والعمل.

أخي العزيز: أنت تمر بمرحلة طبيعية، يبدأ فيها اهتمام الشاب بالمظهر والشكل في الازدياد، ويصبح لفت الانتباه والحصول على الإعجاب والقبول من الآخرين أمرًا حاضرًا بقوة في تفكيره، ولا سيما في مرحلة الشباب، ومثل هذه المشاعر شائعة؛ فهذا شاب يخاف من الصلع، وآخر يقلق من شكل أنفه، وثالث ينشغل بطوله، ورابع بلونه أو وزنه، ويبدأ كل واحد منهم في البحث عن القبول والإعجاب عند الآخرين.

وهذا الأمر وإن كان شائعًا وطبيعيًا في أصله، إلا أنه قد يتحول إلى هاجس مرضي، واضطراب نفسي عندما يتجاوز حدوده، ويصبح الشاب عاجزًا عن رؤية نفسه إلا من خلال عيب واحد يعتقد أنه ينقصه، فيفقد الثقة بنفسه، ويبدأ في تفسير كل شيء من حوله على أساس هذا النقص.

ولذلك أرى أن مشكلتك الحقيقية ليست في الطول ولا في الصلع، بقدر ما هي في الخوف من الرفض، وضعف تقدير الذات، والمقارنة المستمرة بالآخرين؛ فقد أصبح عقلك يضخم هذه الجزئية، حتى كأنها تختصر شخصيتك كلها، ومستقبلك الزواجي كله.

ولذلك تحتاج إلى أن تفهم وتعي مجموعة من الأمور، التي تساعدك على تجاوز هذه المرحلة، وتعيد إليك التوازن والثقة بالنفس، وتجعلك تنظر إلى نفسك نظرة أكثر عدلًا وإنصافًا:

الأمر الأول: ضع ميزان الجمال، والشكل، والمظهر في موضعه الصحيح؛ فعندما يتضخم موضوع الجمال والشكل والمظهر، ويصبح هو المعيار الأكبر في اختيار الزوج أو الزوجة، فإن الإنسان يضع نفسه أمام مشكلة حقيقية؛ لأن الحياة الزوجية ليست "طولًا أو شعرًا" ، وإنما هي مسؤولية ومودة، ورحمة، وسكن، والمسؤولية مرتبطة بالالتزام الديني والأخلاقي، والقدرة على بناء بيت مستقر يقوم على الاحترام والتفاهم وحسن العشرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ولو تأملت الآية، لوجدت أن الله تعالى ذكر السكن والمودة والرحمة، وهي من أعظم المعاني التي يقوم عليها الزواج.

وهذا لا يعني أبدًا أن نهمل الجمال وحسن المظهر؛ فالجمال معتبر في الحياة وفي الزواج، والإنسان بطبيعته يميل إلى ما يراه جميلًا، والإسلام لا ينكر الجمال، ولكنه يضعه في موضعه الصحيح، ولا يسمح له بأن يطغى على الدين والخلق والقيم والمسؤولية، ولذلك اجعل هذه القاعدة حاضرة في ذهنك دائمًا: الجمال والشكل مهمان، لكنهما ليسا كل شيء، ولا ينبغي أن يكونا المعيار الذي تختزل فيه قيمة الإنسان أو صلاحية الزواج، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالطول ليس معيارًا للكرامة، والصلع ليس معيارًا للرجولة، والشكل ليس معيارًا لقيمة الإنسان عند الله.

الأمر الثاني: لا تجعل أسوأ احتمال حقيقة مؤكدة: لأنني أرى أساسًا مهمًا من أسس مشكلتك؛ فالخوف الذي تضخمه في نفسك حول هذه القضية، بدأ يتحول من مجرد احتمال إلى حقيقة مؤكدة في ذهنك، وأصبحت تتعامل معه وكأن نتيجته محسومة لا تقبل النقاش، وهذا واضح في كثير من تعبيراتك؛ فأنت لا تقول: "ربما ترفضني بعض النساء بسبب طولي"، وإنما يبدو أنك تتعامل مع الأمر وكأن النتيجة محسومة "أنا قصير، إذن لن تقبلني النساء، وبالتالي سيكون الزواج صعبًا أو مستحيلاً".

وهنا عليك أن تتوقف وتسأل نفسك بصدق وواقعية:
- هل كل النساء يرفضن الزواج من رجل أقصر منهن، أو يعاني من الصلع؟
- هل كل امرأة تجعل الطول معيارًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه؟
- هل يمكن أن تكون شخصيتك، وأخلاقك، ونجاحاتك، وطموحك، وقدرتك على تحمل المسؤولية عوامل جذب واهتمام عند المرأة؟
- أليس من الطبيعي أن يكون لدى كل إنسان بعض الصفات التي قد لا تعجب الطرف الآخر؟
- هل أنت نفسك تقبل الزواج من فتاة لديها بعض الصفات التي لا تراها مثالية؟
- هل يمكن أن تكون متأثرًا بصورة مثالية، صنعها المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي عن شكل الرجل والمرأة؟
- وهل من الضروري أصلًا أن تكون مقبولًا عند جميع النساء حتى تكون قادرًا على الزواج؟

ولهذا حاول أن تدرب عقلك على التمييز بين الاحتمال والنتيجة؛ فقد ترفضك امرأة بسبب طولك، وهذا وارد، لكن أن تقول: "إذن كل النساء سيرفضنني"، فهذا تعميم لا دليل عليه، ولا ينبغي أن يسيطر على تفكيرك.

الأمر الثالث: حضور النقص، وغياب تقدير نقاط القوة: وهي من أكثر المشكلات التي أراها في كلامك؛ فأنت ركزت على جزئية صغيرة من شكلك، حتى أصبحت هذه الجزئية تحتل مساحة ضخمة من تفكيرك، وأصبح طولك وشعرك وكأنهما يختصران شخصيتك كلها، بينما غابت عنك جوانب أخرى كثيرة في شخصيتك؛ فأنت شاب جامعي، متعلم، لديك طموح، ولديك عقل يفكر في المستقبل، وتبحث عن الزواج والاستقرار، وتريد أن تكون لك أسرة، وهذه كلها جوانب مهمة في شخصيتك، فلماذا لا ترى هذه الجوانب؟ وهل أنت بكل ما فيك من جوانب إنسانية، وشخصية، وعقلية، وأخلاقية، تختصر في طول وشعر؟ بالطبع لا.

لكن لأنك تعيش في بؤرة من القلق، أصبحت تنظر إلى نفسك من زاوية النقص فقط، ولا ترى بقية الصورة، وهذا من أكثر الأمور التي تحتاج إلى تغييرها؛ " كن جميلا ترى الوجود جميلا "، فابحث عن الجانب الجميل في نفسك وشخصيتك، وهذه نظرة أكثر واقعية واتزانًا.

الأمر الرابع: لا تجعل ما لا تستطيع تغييره يطغى على ما تستطيع تطويره؛ فالطول بعد اكتمال النمو ليس أمرًا تملك تغييره، والصلع الوراثي كذلك له جانب كبير خارج إرادة الإنسان، والمؤمن لا يختار كل صفاته الجسدية، وإنما يختبر في كيفية تعامله معها، فبدلاً من أن تقضي ساعات في سؤال نفسك: "لماذا أنا قصير؟ ولماذا شعري هكذا؟" اسأل ماذا أستطيع أن أبني في نفسي؟

اهتم بعقلك، ومظهرك، وصحتك، وطريقة حديثك، وثقافتك، ودراستك، وعملك، ومهاراتك الاجتماعية، وقدرتك على تحمل المسؤولية، وشخصيتك، وثقتك بنفسك، وأما الأمور التي لا تستطيع تغييرها، فتقبلها، ولا تجعلها محور حياتك؛ فمن الخطأ ربط قيمة الإنسان بمظهره.

الأمر الخامس: لا تجعل المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي يضعان لك معايير الرجولة؛ فمن أكبر المشكلات في زماننا أن وسائل التواصل الاجتماعي صنعت ثقافة وصورة مثالية مبالغًا فيها عن الرجل والمرأة؛ فالرجل يجب أن يكون طويلًا، وشعره كثيفًا، وعضلاته واضحة، وملابسه مثالية، وناجحاً ماليًا، وواثقاً دائمًا، والمرأة كذلك لها قائمة طويلة من المواصفات، ثم يبدأ الشاب بالنظر إلى هذه الصور ومقارنتها بنفسه، وينسى أن ما يراه على الشاشة ليس صورة كاملة؛ فالحياة مليئة بالتناقضات والاختلافات، والأخطر من ذلك أن تتحول هذه الصور غير الواقعية إلى معيار يحاكم الإنسان نفسه به.

لذلك لا تجعل جزءًا صغيرًا في المجتمع يخبرك أن الرجولة تختصر في الطول، وإنما تظهر في المسؤولية، والثبات، والنضج، والخلق، والقدرة على حماية الأسرة، ورعايتها، وتحمل تبعات الحياة.

الأمر السادس: لا تظلم نفسك بالقول إن النساء كلهن يفكرن بطريقة واحدة؛ فسؤالك: "هل تقبل الفتيات بحالتي؟"، فإن جوابه: إذا وجدت فتاة تنظر إلى الزواج نظرة شكلية بحتة، فمن الطبيعي أن يكون الشكل عندها عنصرًا أساسيًا، وقد يكون طول الرجل بالنسبة إليها شرطًا مهمًا، وهذا الصنف موجود بلا شك.

لكن في المقابل هناك فتيات ينظرن إلى الزواج بصورة أكثر شمولًا ووعياً، ويعتبرن الدين، والخُلق، والشخصية، والأمان النفسي، والاحترام، والتوافق، والمسؤولية من أهم المعايير؛ فالناس مختلفون في أذواقهم، وتفضيلاتهم، ونظرتهم للزواج.

الأمر السابع: أما بخصوص "الفتاة التي تعجبك، وهي أطول منك":
فهذه المسألة تحتاج منك إلى الهدوء، وعدم إصدار الحكم نيابة عنها؛ فكونها أطول منك لا يعني تلقائيًا أنها سترفضك؛ فقد تكون هي من النساء اللاتي لا يفضلن الرجل الأقصر منهن، وهذا احتمال وارد، ولكن أيضا قد لا يكون الطول عندها شرطًا أصلًا، وقد ترى في شخصيتك ودينك وأخلاقك ما يجعل الأمر ثانويًا، فأنت لا تعرف حتى الآن، فكيف تحكم؟!

لذلك -أخي- إذا كان إعجابك بها جادًا، وكانت هناك إمكانية حقيقية للزواج، فلا تجعل الخوف وحده يمنعك، بل خذ بالأسباب الشرعية، واسأل عنها، وعن دينها وخُلقها؛ فهذا هو المنهج الصحيح، فإن وجدت فيها الدين والخلق، فبادر إلى خِطبتها كما بيّن الشرع، ثم بعد الخِطبة تحقق وتأكد من شخصيتها، ومدى التوافق بينكما.

الأمر الثامن: لا تدخل الزواج وأنت تبحث عن شهادة بأنك مرغوب، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ فإذا دخلت الزواج وأنت تقول في داخلك "أريد زوجة حتى أتأكد أنني مرغوب" فقد تنتقل المشكلة معك إلى داخل الزواج، وربما تبدأ بعد ذلك في التفكير الصامت:
- هل زوجتي فعلًا تراني جذابًا؟
- هل يمكن أن تنجذب لرجل أطول مني؟
- هل كانت ستختارني لو كنت أطول؟
- هل تقارنني بغيري؟
وهكذا يصبح الزواج نفسه وسيلة لعدم الاستقرار، والهواجس، والاضطرابات الأسرية.

أخيرًا -أخي العزيز-: أنت بحاجة إلى أن تخرج من هذه الدائرة الضيقة في نظرتك إلى نفسك، لا تختزل نفسك في الطول والصلع، ولا تجعل هذين الأمرين يسرقان منك رؤية بقية شخصيتك، أنت لست ناجحًا بطولك، ولست متفوقًا بشعرك، وليست أخلاقك مرتبطة بمظهرك، بل بمواقفك وتفكيرك.

أنت إنسان كامل القيمة، وإن كانت لديك صفات جسدية لا تعجبك، لذلك عزز جانبك الجميل ببناء نفسك، وتنمية مهاراتك، واجعل ثقتك بنفسك نابعة من نجاحاتك، وقيمك، وشخصيتك، ورضا الله تعالى عنك، لا من مقارنة نفسك بالآخرين؛ فكلما اتسعت رؤيتك لنفسك، أصبحت ترى أنك أكبر بكثير من مشكلة الطول والصلع.

أكثر من الدعاء والتضرع لله تعالى أن يذهب همك، ويشرح صدرك للخير، ولا تغفل عن الصلاة، والذكر، وتلاوة القران؛ فلها دور كبير في تحقيق الطمأنينة والرضا.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً