الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخي الصغير يرى في منامه كوابيس وأحلامًا مخيفة، فما علاجه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أخي الصغير -البالغ من العمر عشر سنوات- مرض مرة قبل شهر رمضان الماضي، فقد كان يلعب وقت المغرب والجو ممطر، فأصابته الحمى، ورأى كوابيس أقل ما يقال عنها إنها شنيعة، وحينها ظننا أنه قد أصابه مس ما.

فقد كان يرى في منامه أنه يُسلسل ويُغل، ويتعرض للأذى، حتى يستيقظ فزعًا وهو يصرخ، وذات مرة رأى في منامه أنه ملتصق بجدار، ولا يستطيع الحركة، كما توعده شخص في المنام بأنه سيفعل به شيئًا في تاريخ معين.

وكان ذلك في مرضه الأول، ولله الحمد والشكر كله أن عافى الله ذلك الطفل الصغير ورحمه من هذه التجربة، ونسأل الله له دوام العافية.

واليوم استيقظ مجددًا وهو يعاني من كوابيس مزعجة، مع حمى وصداع في رأسه، بعد أن ذهب إلى شاطئ البحر أمس برفقة إخوته قبل العصر، وعادوا قبل المغرب، وقد بدأ رأسه يؤلمه من جديد بعد عودته من الشاطئ.

ورأى في منامه أنه يلعب الكرة بأسنانه، وأن أخاه يضربه في ماء البحر، وأنه سيُرمى في السجن، وهذا ما يخيفني، إذ أخشى أن يستولي عليه ما مسه، أو يحتجزه -لا قدر الله-.

ربنا، أسألك اللطف والعافية، وأسألك له الشفاء التام والعاجل، كما شُفي في المرة السابقة، فبيدك المرض، وبيدك الشفاء، وبيدك الأمر كله -سبحانك-.

وسؤالي هنا: كيف نعالج أخي علاجًا تامًا، وكيف نقيه من الإصابة، وما طبيعة الأذى الذي يسببه المس أو اللبس عادة؟

شكرًا لكم، وسأكون ممتنًا حقًّا لإجابتكم وإفادتكم لنا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ سامية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظ أخاكِ الصغير، ويشفيه شفاءً تامًّا، ويقر أعينكم بعافيته، ويعيذه بكلمات الله التامات من كل شر.

فحرصكِ على أخيكِ وخوفكِ عليه أمر مفهوم، لكن أول ما ينبغي أن نصححه هو الجزم بأن ما أصابه في المرة السابقة كان مسًّا، وأن ما يحدث الآن عودة لذلك المس، ومحاولة للاستيلاء على جسده، فالحمى والصداع والكوابيس -حتى لو كانت شديدة ومخيفة- لا تثبت وحدها إصابة الإنسان بالمس، كما أن مضمون الأحلام من السلاسل والسجن والضرب والتهديد، لا يخبرنا بما سيقع في المستقبل.

والطفل إذا كان متعبًا أو محمومًا، فقد يضطرب نومه، وتكثر أحلامه المزعجة، فلا نريد أن نضيف إلى مرضه خوفًا من الجن، وهو في العاشرة من عمره.

ولهذا، ينبغي أن تتعاملوا مع حالته بتوازن يجمع بين الرقية الشرعية والأسباب المعتادة، من غير إنكار للمس الذي ثبت أصله شرعًا، ومن غير نسبة كل عرض إليه، ويمكن ترتيب ذلك في أمور:

• أولًا: اهتموا بما يظهر عليه الآن قبل تفسير سببه، فهو يعاني من حمى وصداع بعد عودته من البحر، وهذا أمر يستحق المتابعة والعناية، ولا ينبغي أن تؤخر فكرة المس التعامل مع الحمى والصداع، وإذا اشتد الصداع أو الحمى، أو استمرا، أو ظهر عليه اضطراب غير معتاد، فليُعرض على الطبيب المختص، فالرقية لا تتعارض مع الأخذ بالأسباب، بل المسلم يجمع بينهما.

• ثانيًا: لا تجعلوا الكوابيس دليلًا على أن الجني يهدده، أو سيحبسه في جسده، وما رآه في المرة الأولى من أنه يُسلسل ويُغل ويلتصق بالجدار، وما رآه الآن من السجن والبحر وغير ذلك، كلها رؤى مزعجة لا يُبنى عليها حكم، وقد أرشد النبي ﷺ من رأى ما يكره، فقال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا»، فلا تبحثوا عن تفسير كل صورة رآها، ولا تنتظروا التاريخ الذي ذُكر له في حلم سابق، ولا تجعلوه يعيش مترقبًا تحقق التهديد.

• ثالثًا: لا تخبروه بأنه «ممسوس»، أو أن شيئًا يريد الاستيلاء على جسده، فهذا مهم جدًّا مع طفل في هذا العمر، فكثرة الحديث أمامه عن الجن والمس والسحر قد تجعله يدخل فراشه وهو يتوقع أن يرى شيئًا مرعبًا، ثم يصبح كل حلم أو حركة أو ألم عنده دليلًا جديدًا في ذهنه، فأشعروه بالأمان، وقولوا له: أنت بخير، والله يحفظك، وهذه أحلام لا تضرك بإذن الله.

• رابعًا: حصنوه بالتحصين المشروع البسيط، من غير برامج مرهقة، وحافظوا على أذكار الصباح والمساء، واقرؤوا عليه الفاتحة، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، وخاصة قبل النوم، وليضع يديه، ويقرأ فيهما، ثم ينفث ويمسح بهما ما استطاع من جسده، وكان النبي ﷺ يُعوِّذ الحسن والحسين، فيقول: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، ويمكن لأبيه أو أمه أن يرقيه، ولا حاجة إلى نقله من راق إلى آخر، ما دمتم تستطيعون رقيته بالقرآن والأدعية الثابتة.

• خامسًا: أمَّا سؤالكِ عن طبيعة الأذى الذي يسببه المس، فنحن لا ننصحكِ بالدخول في قوائم طويلة من «أعراض المس»، ثم مراقبة أخيكِ على ضوئها، لأن كثيرًا مما يتناقله الناس في هذا الباب ليس عليه دليل، ولأن الأعراض نفسها قد تقع لأسباب أخرى، فنحن نؤمن بوجود الجن، وبإمكان أذيتهم للإنسان، ونؤمن بأن القرآن شفاء، لكن تشخيص شخص بعينه بأنه ممسوس يحتاج إلى حذر، ولا يصح أن نجعل الصداع، والحمى، والكوابيس، والتجشؤ، والرجفة، ونحوها، علامات قاطعة على المس.

• سادسًا: اجعلوا البيت عامرًا بالصلاة والقرآن والذكر، واقرؤوا سورة البقرة فيه، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»، وحافظوا على أذكار النوم، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله، لكن افعلوا ذلك عبادة وتحصينًا لجميع أهل البيت، لا في أجواء من الخوف والترقب لما سيفعله الجن.

وأخيرًا: لا تجعلوا هدفكم أن تعرفوا الآن: هل هو مس أم لا؟ بل اجعلوا همكم أن يعافي الله الطفل، وارقوه بالرقية الشرعية، فهي نافعة على كل حال، واهتموا بحمّاه وصداعه، وطمئنوه، ولا تناقشوا أمامه القصص المخيفة أو تهديدات الأحلام، ولا تجعلوا كل كابوس رسالة من عالم الغيب.

وعليكم -مع ذلك- الاستعانة بأهل الاختصاص من الأطباء، فاستمروا في الرقية والأخذ بالأسباب الطبية، مع كثرة التضرع إلى الله بالدعاء والشفاء.

وقد أحسنتِ في الدعاء لأخيكِ، فالدعاء من أعظم أسباب الشفاء، وهو سلاح المؤمن في الشدة والرخاء، فاستمري أنتِ ووالداكِ في الدعاء له، ولا سيما أن دعاء الوالد لولده من الدعوات المستجابات -كما ورد في السنة- مع إحسان الظن بالله، واليقين بأن الشفاء بيده وحده سبحانه.

نسأل الله أن يحفظ أخاكِ بحفظه، ويذهب عنه الحمى والصداع والكوابيس، ويعيذه من الشيطان، ومن كل عين وسوء، وأن يطمئن قلوبكم عليه، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً