الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أستمر في الصدقة من مصروفي حتى لو أدى لعدم كفايتي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب مغترب، يُرسل إليَّ مصروف شهري، فجعلتُ جزءًا منه للصدقة، فصرتُ أتصدق بمبلغ ثابت يوميًا، والآن ضاق حالي وقلَّ مصروفي الشهري، فلو استمررتُ على المبلغ نفسه فلن يكفيني مصروفي طوال الشهر، فماذا أفعل؟


الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الابن الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -الابن الكريم- في موقعكَ استشارات إسلام ويب، وجوابي لكَ كالآتي:

• أولًا: ابننا الكريم، نسأل الله أن يوفقكَ، وأن يزيدكَ حرصًا على الخير، واعلم أن للصدقة شأنًا عظيمًا في الإسلام، فهي من أوضح الدلالات، وأصدق العلامات على صدق إيمان المتصدق؛ وذلك لما جُبلت عليه النفوس من حب المال، والسعي إلى كنزه.

فمن أنفق ماله، وخالف ما جُبل عليه، كان ذلك برهان إيمانه وصحة يقينه، وفي ذلك قال النبي ﷺ: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ»، أي: برهان على صحة إيمان العبد، هذا إذا نوى بها وجه الله، ولم يقصد بها رياءً ولا سمعةً. ولأجل هذا جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر من الله عز وجل.

فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال عنهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. ووعد سبحانه -وهو الجواد الكريم الذي لا يخلف الميعاد- بالإخلاف على من أنفق في سبيله، فقال سبحانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}، ووعد بمضاعفة العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافًا كثيرةً، فقال سبحانه: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}.

وفي السنة من الأحاديث المرغبة في الصدقة، والمبينة لثوابها وأجرها، ما تقر به أعين المؤمنين، وتهنأ به نفوس المتصدقين.

ومن ذلك أنها من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل، ففي الحديث عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا». وهي تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد، قال ﷺ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ وَالْآفَاتِ وَالْهَلَكَاتِ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ».

• ثانيًا: اعلم -أيها الابن الحبيب- أنه لا تُشترط الصدقة في كل يوم، ولا أن يتصدق الإنسان ويبقى محتاجًا إلى غيره، بل عليه أن يعف نفسه عن السؤال، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وكما قال أهل العلم: إنه لا يجوز للإنسان أن يتصدق بما يحتاجه عياله، ومن يلزمه أن ينفق عليهم، وهذا ما يقوله أهل العلم: إن الصدقة بما يحتاجه العيال حرام؛ لأن فيه تضييعًا لحق العيال.

وقد قال الرسول ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»، أي: أن يضيع من يعولهم وينفق عليهم، والنفس أولى، بل إذا كان على المسلم دين، فلا يجوز أن يتصدق بشيء يحتاج إليه في قضاء دينه، فالدين مقدم على الصدقة، وبالنية الصالحة عسى الله أن يكتب أجرَكَ كاملًا.

وختامًا: أسأل الله لكَ التوفيق في الدراسة، وأن يجعلَكَ مباركًا، وأن يوسع عليكَ في الرزق، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات