الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحببت شخصا فتركني وارتبط بأخرى، فكيف أتخطى هذا الحزن؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنتُ أحب شخصًا في صغري، وكنا متفقين على الزواج بعد انتهائي من الجامعة، لكنه فجأة، ودون أسباب واضحة، قرر الانفصال، وبعد محاولات عديدة ابتعدتُ عنه تمامًا منذ عامين.

مررتُ بكل مراحل الحزن والاكتئاب، وكنتُ دائمًا ألجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وأدعوه كثيرًا أن يخفِّف عني حزني، ويرزقني الزوج الصالح، ويعوضني عن كل هذا الألم، كما أحاول دائمًا المحافظة على صلاتي ودعائي، وأقرأ وردي اليومي بنية الفرج.

لكنني، منذ عدة أشهر، علمتُ بارتباطه بفتاة أخرى، وهي مختلفة عني تمامًا في كل شيء، فشعرتُ بأنني أمرُّ بالحزن والاكتئاب من جديد، وأحاول دائمًا ألَّا أفقد أملي في الدعاء، وأن أحسن الظن بالله، لكن بدأ يصيبني شيء من اليأس؛ لأنني لست سعيدة في حياتي، ولا أستطيع الموافقة على الزواج من شخص آخر، ولا أتقبل أحدًا.

فماذا أفعل؟ فأنا أدعو الله دائمًا، لكنني أشعر بأن دعائي في هذا الأمر لا يُستجاب.

علمًا بأنني علمت من أحد الشيوخ أنني مصابة بسحر تعطيل الزواج، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول المحافظة على الرقية الشرعية، والاستماع إلى سورة البقرة.

▪ هل يمكن أن يكون ذلك سببًا في حزني؟
▪ ماذا يجب أن أفعل حتى أتخطى هذا الشخص وأنساه؟
▪ كيف أحافظ على أملي في أن أكون سعيدة يومًا ما؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Roaa، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلبكِ، ويصرف عنكِ التعلق بما مضى، ويرزقكِ زوجًا صالحًا وعوضًا يرضيكِ، ويعيد إلى حياتكِ السكينة والفرح.

بدايةً: ينبغي أن نقرر أن أي علاقة لا تبدأ من الباب الشرعي علاقة محرمة وخطيرة في الوقت نفسه؛ ولذلك ينبغي لبناتنا أن يعرفن الحدود الشرعية التي لا يجوز تجاوزها، حرصًا على سلامة الدين والنفس، ونحمد الله أن منَّ عليكِ بالتوبة، ونسأله أن يغفر لكِ ويعفو عنكِ.

واعلمي أن ما تمرين به اليوم ابتلاء يمتحن الله به القلوب، فاصبري، واعلمي أن الله لن يضيع أجركِ بإذنه تعالى.

ولا ينبغي أن تفسري تأخر الزواج أو استمرار الحزن بأنه دليل على أن الله لم يستجب دعاءكِ، فالإجابة لا تعني بالضرورة أن يعطيكِ الله ما تريدين، في الوقت والطريقة اللذين تحددينهما، فقد تكون إجابة الدعاء بصرف الله عنكِ شخصًا تعلقتِ به، حمايةً لكِ من مصير لم تكوني تعلمين ما فيه، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

ولتجاوز هذه المرحلة، ننصحكِ بما يأتي:

▪ أولًا: قبول الواقع وقطع أسباب المتابعة:
تقبّلي حقيقة أن هذا الرجل خرج من حياتكِ، ومضى في طريق آخر، فلا تنتظري رجوعه، ولا تتابعي أخباره، ولا تسألي عنه، ولا تقارني نفسكِ بمن ارتبط بها، فكونها مختلفة عنكِ لا يعني أنها أفضل منكِ، والزواج أقدار وقبول وتوافق، وليس مسابقة يفوز فيها الأفضل.

▪ ثانيًا: النظرة المتوازنة إلى الخُطّاب والزواج الجديد:
لا تجعلي رفضكِ لكل خاطب نوعًا من الوفاء لرجل لم يعد بينكِ وبينه شيء، وفي الوقت نفسه لا تتزوجي هربًا من الحزن، فإذا جاءكِ صاحب دين وخلق، فانظري إليه بوصفه إنسانًا جديدًا، ولا تقارنيه بالرجل السابق، ولا تطلبي أن تشعري تجاهه منذ البداية بالمشاعر التي نشأت بعد سنوات من التعلق بالأول.

▪ ثالثًا: الموقف الشرعي من ادعاء سحر تعطيل الزواج:
لا نستطيع القول إن عندكِ سحر تعطيل لمجرد أن شيخًا أخبركِ بذلك، أو لأن الزواج تأخر، فالسحر حق، لكن تشخيص حالة معينة به يحتاج إلى دليل، وتأخر الزواج والحزن والتعلق بشخص سابق ليست أدلة كافية على وجوده.
ومع ذلك، نوصيكِ بالمحافظة على الأذكار والرقية الشرعية وقراءة القرآن، فهي خير في كل حال، ولكن لا تعيشي تحت فكرة أن هناك أمرًا خفيًّا يمنع زواجكِ.

▪ رابعًا: تصحيح النية في العبادة والدعاء:
لا تجعلي قراءة سورة البقرة والورد والدعاء مجرد وسائل للحصول على الزوج، بل اقرئي القرآن تعبّدًا وتقربًا إلى الله، وادعي بالزواج، وبالرضا وحسن الاختيار، وقولي: «اللهم ارزقني الخير ثم أرضني به»، فقد يكون تعلق القلب بصورة معينة للفرج سببًا في عدم رؤية النعم والفرص الأخرى.

▪ خامسًا: ملء الفراغ واستحداث أهداف جديدة:
اقطعي أسباب استدعاء الماضي، واملئي وقتكِ بحياة نافعة، من عمل أو دراسة، وصحبة صالحة، وصلة بالأهل، وممارسة الرياضة، وتعلّم مهارات جديدة، وأهداف نافعة، واعلمي أن القلب لا ينسى بمجرد أن نأمره بالنسيان، وإنما يضعف تعلقه القديم حين تتسع الحياة من حوله.

▪ سادسًا: التفاؤل وتفويض الأمر إلى الله:
لا تقولي: «لن أكون سعيدة»، فأنتِ تحكمين على سنوات لم تعيشيها بعد من خلال ألم تعيشينه اليوم، وتذكري أنكِ كنتِ تظنين أن سعادتكِ ستكون مع هذا الرجل، ثم جرى قدر الله على غير ذلك؛ وهذا يعلمكِ أن المستقبل غيب لا تعرفينه، فقد يرزقكِ الله بعد حين زوجًا صالحًا، وتقولين معه: «الآن فهمت لماذا لم يتم الأمر الأول».

أمَّا دعاؤكِ، فلا تتركيه، مع تفويض الأمر إلى الله والإيمان بأن الخير عنده، فادعيه، ثم عيشي حياتكِ دون انتظار يومي لظهور الإجابة، وثقي بأن الله يدبر أمركِ حتى في الأيام التي لا ترين فيها تغيرًا.

نسأل الله أن يأجركِ على ما مضى من ألم، ويخرج من قلبكِ التعلق بمن لم يكتبه لكِ، ويصرف عنكِ الوساوس والخوف، ويرزقكِ زوجًا صالحًا تقر به عينكِ، ويعوضكِ مودة حلالًا وسكينة وبيتًا طيبًا، ويريكِ من جميل أقداره ما يجعلكِ تحمدينه على ما أعطى وما منع، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً