الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حتى لم أفق من صدمة وفاة والدي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما أكتبه الآن ربما أكتبه وأصدق مع نفسي فيه لأول مرة؛ لشعوري بذنب شديد بسببه.

منذ صغري وخيالي واسع، حيث تأتيني أفكار حزينة وأسترسل فيها، ولكن بمجرد أن أنتبه إلى هذا الاسترسال أقطعه، ومن هذه الخيالات موت أحد الوالدين أو الأصدقاء، أو إصابتي أو إصابة أحدهم بحادث، ولا أتخيل المشهد نفسه، وإنما أتخيل تبعاته وآثاره وما سيعتريني من حزن، وأفيق من هذه الخيالات وأنا باكية، وهذا يحدث معي منذ أن كنتُ طفلة صغيرة.

ومنذ عامين، تألم أبي بشدة فجأة بعدما كان صحيحًا لا يشكو من مرض أو تعب، وكنا متفاجئين، وحاولنا إقناعه بزيارة الطبيب، لكنه أبى، ثم صلى أبي الفجر، وصليتُ الفجر، وبعد ذلك أويتُ إلى فراشي لأكمل نومي.

وجاءتني حينها خيالات عن حياتي من دون أبي، وما سيحل بي في الفترة القادمة، وكيف ستؤول حياتي إذا لم يكن أبي موجودًا، والله لم يكن ذلك اختيارًا مني أبدًا، وما قطع هذه الخيالات هو صوت إخوتي وهم يصرخون وينادون أبي ليستيقظ بعدما فقد وعيه، أو بمعنى أدق، بعدما توفاه الله -رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خيرًا-.

وحتى الآن لم أفق من صدمة ذلك اليوم، فأنا حزينة لفراق أبي، وهو حزن لا ينجلي، ولا أريد له الزوال، ولكن أكثر ما يؤلمني هو تلك الخيالات التي راودتني في تلك اللحظة بعينها، فلا أفهم ما الذي حدث، ولا أعلم لماذا جاءني ذلك، وقلبي يؤلمني بشدة، وأكره نفسي بسبب ما حدث.

وليس معنى أن هذه الخيالات تأتيني أنني شخصية سوداوية أو مكتئبة، بل أنا شديدة التفاؤل والمرح.

وأيضًا: لسنوات طويلة كنتُ أثناء نومي أشعر بأن أحدًا يلمس كتفي، أو يجلس على ساقي بشكل مؤلم، وما إن أفتح عيني حتى لا أجد أحدًا بجواري، ولكن هذا يحدث على فترات متباعدة جدًا، ربما مرة كل شهرين أو ثلاثة أشهر.

• هل هذه الأشياء كلها مترابطة؟
• هل يمكن أن أكون سببًا فيما حدث لأبي، رغم علمي بأن الموت قدر الله وإرادته؟
• وما تفسير مجيء هذه الخيالات في الوقت نفسه الذي توفي فيه أبي؟
• وما تفسير ما أشعر به أحيانًا أثناء النوم من لمس كتفي أو الضغط على ساقي، ثم عدم وجود أحد عندما أستيقظ؟

دلوني، جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- عبر استشارات «إسلام ويب»، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا مجددًا بهذا السؤال.

لا، لا، أختي الفاضلة، أنتِ لستِ سبب ما حدث لأبيكِ، وكيف يمكن أن تكوني سببًا في وفاته -رحمه الله-؟

أختي الفاضلة، كما ذكرتِ، فإن الموت قدر الله وإرادته -سبحانه وتعالى-، وليس لِمَا تفكرين فيه، أو تحلمين به، أو تتخيلينه، علاقة بذلك أصلًا.

أختي الفاضلة، نعم، أحيانًا تكون طريقة إدراك الخبر المحزن أصعب من الخبر نفسه؛ ولا شك أن صراخ إخوتكِ وهم يدعون والدهم إلى الاستيقاظ، بينما هو قد فارق الحياة، قد أحدث لكِ صدمة؛ وربما لذلك تعانين حتى الآن من هذا الفقدان، وهذه الصدمة التي صدمت بها.

لا شك -أختي الفاضلة- أن ما ورد في سؤالكِ يشير إلى قربكِ من والدكِ ومحبتكِ له -رحمه الله تعالى-، إلَّا أنه مضى إلى ربه، وذهب إلى مكان خير من هذه الدنيا الفانية، وكلنا إلى هذا الطريق؛ فكل ابن آدم ميت، كما يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، فهذا مصيرنا، ولكن كلٌّ بقدره ووقته الذي يقدّره الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن والدكِ الذي تعب في تربيتكِ وتنشئتكِ وتعليمكِ، يريدكِ أن تتابعي الحياة بهمة ونشاط.

وأسعدني جدًّا أنكِ غير سوداوية أو مكتئبة، بل أنتِ شديدة التفاؤل والمرح؛ لذلك لا شك عندي بأنكِ -بإذن الله عز وجل- ستتجاوزين هذه المرحلة بنجاح، ولا أعتقد أنكِ في حاجة إلى زيارة العيادة النفسية، وإنما رتّبي أمور حياتكِ بحيث تشغلين نفسكِ بما هو مفيد.

كنتُ أتمنى لو ذكرتِ لنا ما إذا كنتِ تعملين أو تدرسين، المهم أن تركزي على ما بين يديكِ، وأن تحرصي على توازن الحياة الطيبة التي وعدنا الله تعالى بها: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، ومن أجل الحياة الطيبة، لا بد -أختي الفاضلة- من التركيز على الجانب الإيماني الروحي، من العبادة وقراءة القرآن وغير ذلك، والمحافظة على صحتنا النفسية والبدنية، وعلاقاتنا الاجتماعية، وسوف يتحسن أيضاً نومك الذي ذكرت أنك تعاني فيه من بعض الاضطرابات؛ لذلك احرصي على أذكار النوم والاستيقاظ كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحرص عليها.

أدعو الله تعالى لكِ بتمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً