الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي تجاهلني أمام الناس ولم يرد على نقاشي بحجة رفع صوتي عليه!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حدث نقاش بيني وبين زوجي أمام الناس، وقد احتد النقاش من جانبي، وارتفع صوتي أثناء الحديث إلى درجة أن من يجلسون بجوارنا استطاعوا سماعنا، وظهر لهم أن بيننا نقاشًا حادًا، لكن دون صدور أي ألفاظ مسيئة أو إهانة لشخص زوجي.

واعتبر زوجي أن ارتفاع صوتي وسماع الغرباء لنقاشنا إهانة له أمام الناس، فانفعل وتركني في منتصف كلامي دون أن يقول شيئًا، وذهب إلى غرفة أخرى، فذهبتُ وراءه ظنًا مني أن ذلك قد يساعد على احتواء الخلاف، كما أنني كنتُ منفعلة بسبب تركه لي فجأة، فطلبتُ منه أن نتحدث على انفراد، لكنه رفض، وأصررتُ أنا على الحديث، فتجاهل مناداتي له أمام الجميع.

وهو يقول: إن احتداد نبرتي ووصول صوتي إلى من حولنا يُعد تقليلًا من شأنه، بينما أرى أن مثل هذا الأمر قد يحدث أثناء النقاش، وأنه لم يكن إهانة لشخصه، كما يقول: إن ذهابي خلفه أمام الجميع، وإصراري على الحديث معه كان فيه تقليل من شأنه أيضًا، وإنه لو استجاب لطلبي بهذه النبرة الحادة أمام الناس لكان ذلك محرجًا له، ولذلك اضطر إلى عدم الرد عليّ، مع أن هذا التصرف أشعرني بالإحراج أمام الجميع.

• فما الخطأ الذي وقع مني، وما الخطأ الذي وقع منه؟
• وأي التصرفات يمكن أن يكون له ما يبرره؟ وأيها يُعد خطأً كبيرًا؟
• وهل كان تجاهله لي أمام الجميع أكبر من خطئي في رفع صوتي والإصرار على الحديث معه؟

خاصةً أنه هجرني الآن بعدما أوضحتُ له أنه أحرجني أمام الجميع، وأنني أرى أن خطأه في تجاهلي كان أكبر.

وشكرًا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ندى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -بنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام، والحرص على السؤال.

ونحب بدايةً أن نذكركِ ونذكر زوجكِ بقواعد النقاش، وأن الغضب من الشيطان؛ والنبي ﷺ أوصى من قال له: "أوصني"، قال: «لَا تَغْضَبْ»، رددها مرارًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «لَا تَغْضَبْ»؛ لأن الغضب ركنٌ من أركان الشر، ومدخلٌ عظيمٌ للشيطان، بل الغاضبُ شيطانٌ كما قال قائل السلف: "أما ترى تغير شكله، وانتفاخ أوداجه، واحمرار عينيه؟!". ولو نظر الغضبان إلى وجهه في المرآة لترك الغضب.

ولذلك أرجو أن تعملوا بالوصية النبوية التي يأمرنا فيها إذا غضب الإنسان:
1. أن يتعوذ بالله من الشيطان.
2. أن يذكر الرحمن.
3. أن يمسك اللسان؛ لأن الإنسان إذا غضب يخرج كلماتٍ يندم عليها.
4. أن يهجر المكان.
5. أن يهدئ الأركان؛ بمعنى: إذا كان واقفًا يجلس، وإذا كان جالسًا يضطجع.
6. فإن كان الغضب شديدًا، يتوضأ ويصلي؛ لأن الله يقول: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ۞ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ۞ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.

والخطأ هنا مشتركٌ:
• أولًا: كون النقاش أمام الناس.
• الأمر الثاني: كون الأصوات ترتفع.
• الأمر الثالث: متابعتكِ له بعد أن خرج؛ لأن من السنة أن نهجر المكان، وإذا هجر الزوج المكان فكان ينبغي أن تكتفي بالسكوت، ثم بعد ذلكَ تتناقشوا.

وهو أيضًا لا نبرئه؛ لأن المجاراة في الخطأ والكلام هذا من الأمور المرفوضة، أيضًا نحب ألا ترفعي صوتكِ؛ لأن هذا فعلًا محرجٌ، وأمرٌ لا يمكن أن يُقبل، خاصةً إذا كان بين الناس، وإذا كان الآخرون يسمعون كلامنا، ولكن عليه أن ينبه بأن لا ترفعي صوتكِ، ويكون النقاش بهدوءٍ، ونؤجل هذا الموضوع أو نحو ذلكَ.

فالقضية هنا ليست قضية من الذي أخطأ؛ فالخطأ يبدو أنه مشتركٌ، ولكن القضية هي كيف نوقف مثل هذا الأمر؟ كيف يكون هذه هي آخر مرةٍ نقع فيها في هذا الخطأ؟ كيف يسعى كلٌّ منا إلى أن يكون الأفضل: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؟ كيف نعلم أنفسنا التزود بالحلم، والعفو، والصفح، والتأدب بآداب الحوار والنقاش؟

ومن المهم جدًّا أيضًا أن يراجع كل طرفٍ نفسه؛ فنحن لا نستطيع أيضًا أن ندافِع عن طرفٍ دون أن نعرف موضوع النقاش، وما الذي أثاره في هذا المكان؟ ولكني أوصيكِ وزوجكِ بالاستماع إلى مادةٍ اسمها: "كيف تفهم نصفك الآخر؟"، حبذا لو استمعتم لهذه المادة وعلقُتم عليها، ونسعد بالاستمرار في التواصل مع الموقع حتى نضع النقاط على الحروف.

وعلى كل حالٍ، الخطأ موجودٌ من الطرفين، وشكرًا لكِ على التواصل مع الموقع، وأرجو أن يقرأ هذه الإجابة ويتواصل بما عنده، وحبذا لو كتبتم استشارةً -يعني مشتركةً، كل واحدٍ منكم يذكر فيها-:
1. إيجابيات الشريك.
2. السلبيات التي تزعجه.
3. ماذا يريد من الشريك لكي تستقر الحياة وتستمر؟
فإن الخطأ يقع، ولكن العبرة هي أن نستفيد من الخطأ، ونمنع تكراره، ونأخذ الدروس والعبر؛ حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء.

وكما قلنا: لا تجعلوا همكم المحاسبة؛ فنحن دعاةٌ ولسنا قضاةً، لسنا في مكانٍ نحدد هذا هو المخطئ وذاك هو المخطئ؛ ولكن يبدو أن الاستجابة للشيطان في لحظات الغضب هي الخطأ الكبير الذي ينبغي أن ننتبه له.

ومن المهم جدًّا أن نعرف قواعد الحوار:
• فالحديث والحوار مع الزوجة يحتاج إلى أن نبدأ بذكر الإيجابيات، ثم نحدد مكان النزاع، ثم نحدد سقفًا لهذا النقاش.
• النقاش مع الرجل ينبغي أن يكون في وقتٍ ليس فيه جائعًا ولا منزعجًا؛ فلا يصح أن تناقشيه عند عودته من العمل، ولا يصح أن تناقشيه في غرفة النوم، أو عند الأكل، أو عندما يريد أن يخرج؛ ولكن ينبغي أن تختاري وقتًا تعطينه ما يريد؛ لأن الزوج/الرجل يفكر بطريقةٍ واحدةٍ: إذا كان جائعًا يحتاج للطعام، وإذا كان متعبًا يحتاج إلى النوم، إذا كان يحتاج العلاقة الحميمة، المهم: يُعطى ما يحتاجه، ثم بعد ذلكَ يصلح لأن نحاوره ونناقشه.

• كذلك الرجل لا بد أن يثني على الإيجابيات التي عند زوجته، ثم يُحدِّد معها محور النقاش.
• وعلينا أن نتجنب القناعات المعلبة: "أصل الرجال كذا"، "أصل النساء كذا".
• وعلينا أيضًا أن نقبل الاعتذار، ونحسن الاستماع حتى ينتهي كل طرفٍ ممَّا عنده.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً