الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخت زوجتي تدخلت في شؤوننا وأفسدت ما بيننا، فكيف أتصرف؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

زوجتي حامل، وقد وضعت طفلها قبل أيام، ولم يتبقَّ على ولادتها سوى أسبوع عندما جاءت أختها للإقامة معنا، فاستقبلناها وأكرمناها، ووفرت لها ما تحتاجه من حليب وحفاضات؛ رغبةً مني في إظهار الاحترام والتقدير لها.

أسكن مع أبي وأمي، وقد اتفقت مع زوجتي على ذلك قبل الزواج، وكانت على علم بظروفي، وأمي لا تجلس مع أهل زوجتي كثيرًا لانشغالها بالعمل ورعاية ابنة بنتها، لكنها رحبت بهم وكانت تطبخ لهم ما يحتاجونه.

بدأت أخت زوجتي تعاتبها وتسألها عن سبب عدم جلوسي معهم كثيرًا، وعن عدم قولي «مع السلامة» عند خروجي إلى العمل، مع أنني لا أعتاد قول ذلك حتى لزوجتي، فحاولت مراعاة رغبتها، وصرت أجلس معهم وأتناول الإفطار قليلًا.

وبعد ولادة زوجتي، حضرت أمها وجدتها، وبدأن يسألن زوجتي عن سبب عدم جلوس أمي معهن وتناول الطعام معهن، رغم أن أمي أوضحت لهن أنها مشغولة، وكانت تحرص على إعداد الطعام لهن.

وفي إحدى المرات، كنت جالسًا مع أهل زوجتي، فطلبت مني أختها إحضار الحليب، فوافقتها، لكنني انشغلت بالحديث ونسيت، فعادت وطلبت من أبيها إحضاره بنبرة شعرت أنها تحمل إساءة إليَّ، وكأنها تتعمد إظهار تقصيري أمام أهلها، مع أنني لم أنسَ إلا بسبب انشغالي بالحديث معهم.

بعد ذلك، شعرت بأن معاملتها لي قد تغيرت، رغم أنني كنت أحرص على إكرامها، حتى إنها كانت تنام مع زوجتي وطفلها الصغير في غرفة نومي، كما بدأت أشعر بأنها تتحدث مع زوجتي عني بطريقة غير مريحة.

ومع مرور الأيام، بدأت زوجتي تعاتبني لأنني لم أستشرها في أمور العقيقة، واتهمتني بأنني أستشير أمي ولا أهتم بها أو بعائلتها، فحاولت الحفاظ على هدوئي، ووضعت حدودًا في تعاملي مع أختها، لكن ذلك لم يعجبها.

وعندما أرادت أخت زوجتي الرحيل، ثارت وصرخت قائلة: «لم يُولد بعد من سيفصلني عن أختي»!، ورفعت يديها، وساندتها زوجتي ضدي، فشعرت بأنهما تحملانني مسؤولية الخلاف، وعندما حضر زوجها ليأخذها، قالت بطريقة استفزازية: «أقيموا حفلة»، فلم أرد عليها.

والآن، أصبحت أنا وزوجتي لا نتحدث بسبب ما حدث، ولا أعرف كيف أتعامل مع هذا الموقف، وأخشى أن تتفاقم الخلافات بيننا بسبب تدخل أختها في حياتنا الزوجية.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الكريم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أخي الكريم، ليس من المستغرب حدوث مشكلات أو سوء تفاهم بين الزوجين، ولكن المهم هو حسن إدارة المواقف والتعامل معها بحكمة، فأنت تتعامل مع إنسان له مشاعر وأحاسيس، ولذلك فمن الطبيعي أن تتوقع حدوث مثل هذه المواقف وتكرارها في الحياة الزوجية.

لكن الأهم من ذلك أن تكون مستعدًا للتعامل معها بحكمة، وإزالة أسباب الخصام، وإدارة الحوار بصورة تساعدك على تحقيق الاستقرار في أسرتك والسعادة في بيتك، وفي سبيل ذلك، أقدم لك بعض النصائح، وأسأل الله أن ينفعك بها:

•• أولًا: الحوار قبل إصدار الأحكام:
لغة الحوار في غاية الأهمية، ولذلك عليك أن تجلس مع زوجتك في وقت هادئ، بعيدًا عن تدخل الآخرين، وأن تستمع إليها بصدق، لتعرف ما الذي أزعجها، ثم توضح لها ما تشعر به تجاه بعض تصرفات أختها، دون تجريح أو اتهام، فقد يكون بعض الخلاف ناتجًا عن سوء فهم، أو اختلاف في التوقعات، أو مشكلات سابقة لم تُناقش بالشكل الصحيح.

لذلك: لا ينبغي الحكم على أي طرف قبل سماع وجهة نظره وفهم حقيقة الموقف؛ فالحوار الهادئ يفتح أبواب التفاهم، ويمنع الخلافات من التفاقم بسبب الظنون وسوء التأويل.

•• ثانيًا: تجنب الحساسية المفرطة:
ليس كل تصرف غير مقصود إهانة، وليس كل نسيان أو اختلاف في العادات دليلًا على سوء النية، ومن المهم أن تفرّق بين الخطأ العابر والتجاوز المتكرر، وألا تبني مواقف كبيرة على تأويلات شخصية أو ظنون غير مؤكدة.

وفي المقابل، فإن التسامح لا يعني قبول الإهانة أو السكوت عن تجاوز الحدود، وإنما يعني التعامل مع الأخطاء بحكمة واتزان، لذلك، لا بد من البيان والشرح والتوضيح بهدوء، وبيان الدوافع والأسباب التي تستحق التوضيح، حتى لا تتراكم مشاعر الاستياء، أو يُساء فهم المواقف، أو تتحول الأخطاء البسيطة إلى خلافات كبيرة.

•• ثالثًا: الحذر من خطر الإفساد بين الزوجين:
لقد حذّر النبي ﷺ من الإفساد بين الزوجين، فقال: «مَن خبَّبَ زوجةَ امرئٍ أو مملوكَه فليس منَّا»، والتخبيب هو إفساد العلاقة بين الزوجين، والتحريض الذي يزرع العداوة والبغضاء بينهما.

ومع ذلك، لا نريدك أن تتوقف عند اتهام أخت الزوجة بالتخبيب لمجرد وجود خلاف؛ نعم أنت أكرمتهم واستقبلتهم وأحسنت إليهم، وهذا يحسب لك، ونحن نشكر لك هذا الخلق النبيل، ونقدر انزعاجك من تصرفات أخت زوجتك وتدخلاتها التي لا نوافقها عليها.

•• رابعًا: وضع حدود لتدخل الأهل:
من حق زوجتك أن تبرّ أختها وتحافظ على محبتها وعلاقتها بها، ومن واجبك احترام أهل زوجتك وحسن التعامل معهم، لكن القرارات المتعلقة بالحياة الزوجية والطفل ينبغي أن يتخذها الزوجان بالتشاور والتفاهم، ولا ينبغي السماح للأقارب بإدارة الخلافات الزوجية أو تأجيجها؛ لأن التدخل المستمر قد يضعف الثقة بين الزوجين، ويهدد الاستقرار الأسري.

وللأسف كثير من البيوت تمزقت بسبب تدخل الأهل بحجة حماية ابنتهم أو مساعدتها، بينما يؤدي هذا التدخل، في بعض الأحيان، إلى تعقيد المشكلات بدلًا من حلها، وينعكس سلبًا على الحياة الزوجية والاستقرار الأسري.

لذلك، إن كانت لديك القدرة على العيش في بيت مستقل مع زوجتك، فقد يكون ذلك أفضل لتجنب تدخل الآخرين في حياتكما الزوجية، مع المحافظة على برّك بوالدتك ورعايتها، وحرص زوجتك على صلة أهلها وعدم التفريط في علاقتها بعائلتها؛ فالمقصود من الاستقلال هو حماية خصوصية الحياة الزوجية، وليس قطع الصلة بالأهل أو التقصير في حقوقهم.

•• خامسًا: التعامل بالمداراة والحكمة:
أنصحك -أخي الكريم- بأن تبادر إلى إنهاء القطيعة مع زوجتك، وأن تجعل مصلحة أسرتك واستقرارها في مقدمة أولوياتك.

ومن المهم أن تضع في اعتبارك حالتها النفسية بعد الولادة؛ فهذه المرحلة قد تصاحبها تغيرات نفسية وانفعالية متعددة، وربما تكون جديدة عليها أو لم يسبق لك معرفتها أو التعامل معها، فهي تحتاج في هذه الفترة إلى مزيد من الاحتواء والتفهم والمساندة.

لذلك، فإن تلطيف الأجواء، والمبادرة بالاعتذار عند الحاجة، وتقديم مظاهر الحب والاهتمام، والتحلي بالصبر والرفق، من أهم الأمور الإيجابية التي ينبغي الحرص عليها في هذه الفترة، وليس العكس، فليس المقصود أن تتنازل عن حقك أو تتجاهل ما يزعجك، وإنما أن تختار الوقت والأسلوب المناسبين لمعالجة الخلاف، بما يحفظ كرامتك ويصون علاقتك بزوجتك، ويجنب أسرتك مزيدًا من التوتر.

وإن عجزت عن إيصال وجهة نظرك بنفسك، فيمكنك الاستعانة بشخص يحظى بالمكانة والتقدير والاحترام لدى زوجتك وعائلتها، ليشرح لهم موقفك ويوضح لهم مدى احترامك وتقديرك لهم، ويساعد على إزالة سوء التفاهم الذي حدث.

أخي العزيز، ما حدث يحتاج إلى الحكمة وضبط النفس، لا إلى تبادل الاتهامات أو تحويل الخلاف إلى معركة بين الزوج وأهل زوجته، فالزواج علاقة تقوم على المودة والرحمة والتفاهم، ولا تستقر إذا شعر أحد الزوجين بأنه مضطر إلى الاختيار بين أهله وأسرته.

ومن المهم أن تدرك أن بعض الخلافات قد تبدأ من أمور بسيطة، لكن التوسع في مناقشتها بطريقة انفعالية، أو ربطها بمواقف سابقة، قد يضاعف حجمها ويحوّلها إلى صراعات يصعب احتواؤها، وفي المقابل، فإن المبادرة إلى احتواء الخلاف منذ بدايته، ومعالجته في حينه، قد تبدد أسبابه وتنهيه قبل أن يتفاقم.

لذلك، من الأفضل أن تبادر إلى بيان الدوافع والأسباب في وقتها، دون تأخير أو انفعال؛ حتى لا تترك للأفكار السلبية مجالًا لتأجيج الخلافات، أو جمع المواقف الصغيرة بعضها إلى بعض، حتى تتراكم وتتحول إلى موقف سلبي كبير يصعب تجاوزه.

أخيرًا -أخي الفاضل-: أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يصلح زوجتك، وأن يوفقك للتفاهم معها، وأن يديم بينكما المودة والرحمة، وأن يصرف عنكما مداخل الشيطان وكل ما من شأنه إفساد علاقتكما أو تعكير صفو حياتكما الزوجية.

وفقك الله، ويسّر أمرك.




مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً