الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تذكر أثناء الصلاة أنه نسي صلاة فرض

السؤال

أرجو إفادتي في مشكلة الوسواس التي أعاني منها فأنا عند الوضوء يصعب علي التسمية فأشعر كأني لم أنطقها فأعيدها عدة مرات كما أني أنسى أثناء الوضوء إذا كنت غسلت الأعضاء السابقة أم لا فأعيد الوضوء من جديد 2)عند الصلاة أشعر بأني لم أنو الفرض الذي سأصليه فأشعر بأني سأ نوي النافلة وليست الفريضة مما يجعلني آخذ وقتا طويلا قبل الصلاة لأنوي مما يجعلني أرتبك أثناء التكبير فأنطقها بتكلف كما أني أشعر بأني سأقطع الصلاة عند أي خطأ أو عند سماع صوت فهل يبطلها أم لاأرجو إفادتي بحلول عملية للتخلص من الوسواسوهل إذا نسيت الفرض الذي أصليه ثم تذكرته أثناء الصلاة هل يبطلها أم لا ؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

1-فلا يجوز للمسلم أن يستسلم لهذه الوسوسة التي تعرض له في وضوئه، أو في صلاته، أو في ذكره، أو غير ذلك. لأنها من كيد الشيطان ليصرف الصالحين عن عبادتهم ، ويقطعهم عما يقربهم من ربهم.
قال ابن تيمية:" والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره ، فينبغي للعبد أن يثبت ، ويصبر ، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ، ولا يضجر ، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) وكلما أراد العبد توجهاً إلى الله تعالى بقلبه جاء من الوساوس أمور أخرى ، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق ، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه ، ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا ، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب؟" انتهى.
وإذا استسلم الشخص للوساوس ولم يقطعها ، فقد تجره إلى ما لا تحمد عقباه -والعياذ بالله- ومن أفضل السبل إلى قطعها والتخلص منها الاقتناع بأن التمسك بها اتباع للشيطان ، والدعاء ، واللجوء إلى الله ، والانصراف عنها ، وإلزام النفس بذلك. وقد سئل ابن حجر الهيتمي عن داء الوسوسة هل له دواء؟ فأجاب:" له داوء نافع ، وهو الإعراض عنها جملة كافية -وإن كان في النفس من التردد ما كان- فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت ، بل يذهب بعد زمن قليل ، كما جرب ذلك الموفقون ، وأما من أصغى إليها ، وعمل بقضيتها ، فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين ، بل وأقبح منهم ، كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها ، وأصغوا إليها ، وإلى شيطانها … وجاء في الصحيحين ما يؤيد ما ذكرته وهو أن من ابتلي بالوسوسة فليعتقد بالله ولينته.
فتأمل هذا الدواء النافع الذي علمه من لا ينطق عن الهوى لأمته.
واعلم أن من حُرِمَهُ حُرِمَ الخير كله ، لأن الوسوسة من الشيطان اتفاقاً ، واللعين لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال ، والحيرة ، ونكد العيش ، وظلمة النفس وضجرها ، إلى أن يخرجه من الإسلام ، وهو لا يشعر إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً… ولا شك أن من استحضر طرائق رسل الله سيما نبينا صلى الله عليه وسلم وجد طريقته وشريعته سهلة ، واضحة ، بيضاء بينة ، سهلة لا حرج فيها ، وما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومن تأمل ذلك وآمن به حق إيمانه ذهب عنه داء الوسوسة والإصغاء إلى شيطانها … وذكر العز بن عبد السلام وغيره نحو ما قدمته فقالوا: داء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني ، وأن إبليس هو الذي أورده عليه ، وأن يقاتله فيكون له ثواب المجاهد ، لأنه يحارب عدو الله ، فإذا استشعر ذلك فرَّ عنه ، وأنه مما ابتلي به نوع الإنسان من أول الزمان ، وسلطه الله عليه محنة له ، ليحق الله الحق ، ويبطل الباطل ولو كره الكافرون… وبه تعلم صحة ما قدمته أن الوسوسة لا تسلط إلا على من استحكم عليه الجهل والخبل ، وصار لا تمييز له ، وأما من كان على حقيقة العلم والعقل فإنه لا يخرج عن الاتباع ، ولا يميل إلى الابتداع .. ونقل النووي عن بعض العلماء أنه يستحب لمن بلي بالوسوسة في الوضوء أو الصلاة أن يقول: لا إله إلا الله. فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس ، أي تأخر وبعد ، ولا إله إلا الله رأس الذكر.انتهى
وأما شعورك بقطع الصلاة عند أي سهو ، أو عند سماع صوت ، فلا شك أنه من الوسوسة التي يجب الإعراض عنها ، وعدم الالتفات إليها ، إذ أن السهو في الصلاة لا يبطلها باتفاق ، وكذلك مجرد سماع الصوت وأنت فيها.
2-فمن ذكر صلاة فائتة أثناء صلاته ، فإنه يتم الصلاة الحاضرة ، ثم يصلي الفائتة ، ولا يقضي الحاضرة التي قد صلى على الراجح من قولي أهل العلم ، إذ حكم ذلك حكم من تذكر الفائتة قبل الشروع في الحاضرة.
قال ابن تيمية: " ومن فاتته الظهر وحضرت جماعة العصر ، فإنه يصلي العصر ، ثم يصلي الظهر ، ثم هل يعيد العصر؟ فيه قولان للصحابة والعلماء: أحدهما يعيدها ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والمشهور من مذهب أحمد.
والثاني: لا يعيد ، وهو قول ابن عباس ، ومذهب الشافعي ، واختيار جدي. ومتى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها ، ولولم يذكر الفائتة حتى فرغت الحاضرة ، تجزئه عند جمهور العلماء ، كأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأما مالك فغالب ظني أنها لا تصح. والله أعلم" انتهى.
تنبيه: ما قاله شيخ الإسلام هنا بالنسبة لمذهب مالك فيه إجمال ، وبيانه أن المعروف من مذهب مالك هو التفريق بين الحاضرتين (مشتركتي الوقت) وبين الحاضرة ويسير الفوائت ، فالترتيب بين الحاضرتين واجب وجوباً مشترطاً إذا كان في الوقت متسع لهما معاً ، فمن صلى العصر قبل الظهر في وقت يمكنه فيه أن يصليها هي والظهر قبل الغروب فإنه يجب عليه أن يعيد صلاة العصر مرة أخرى ليتم الترتيب. أما من صلى العصر قبل الظهر في وقت لم يبق فيه دون الغروب إلا القدر الذي يسع العصر فقط فإنه قد أثم بترك الترتيب ، ولا تجب عليه الإعادة ، فالصلاة صحيحة مع الإثم ، وهذا كله في الترتيب بين الحاضرتين (مشتركتي الوقت) -كما تقدم-
أما ترتيب الحاضرة مع يسير الفوائت -ولو كان واحدة- فإنه واجب وجوباً غير مشترط ، فمن أراد أن يصلي المغرب وهو لم يصل العصر ، فالواجب عليه البدء بالعصر ، ولكنه لو أخل بهذا الواجب فإن فعله صحيح ، ولا يلزمه أن يعيد المغرب بعد صلاته للعصر. هذا هو مذهب مالك في هذه المسألة ، وذكرناه بهذا التفصيل لبيان ما في كلام شيخ الإسلام مما يحتاج لبيان.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني