الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإخلال بشروط عقد المضاربة الشرعية يفسدها

السؤال

في البداية آسف إن كان سؤالي طويلا، ولكن وجب الشرح.
بدأت وصديق لي مؤسسة باسمه، وكان الاتفاق على ما يلي:
1-يدفع هو مبلغا معينا من المال كتمويل للمشروع، وأقوم أنا بتشغيله، وله نسبة 35% من الأرباح أو الخسائر على أن أرد له المبلغ بعد سنتين، والأرباح توزع سنويا.
2-يصرف لي راتب شهري بمقدار متفق عليه، ويخصم من الأرباح قبل توزيعها علينا؛ لعدم وجود مصدر دخل آخر لي.
3-جميع الأعمال التي أقوم بها تدخل أرباحها للمؤسسة.
4-مصاريف التأسيس والموظفين الآخرين في المؤسسة، وأية مصاريف للمؤسسة، تخصم من الأرباح قبل تقسيمها.
بدأنا العمل، ووفقنا الله وربحنا في السنة الأولى.
قبل بداية السنة الثانية اتفقنا على إيقاف التمويل، والدخول في شراكة بمصنع على أساس الشروط التالية:
1-تقسم الحصص على أساس 80% له مقابل المال، و20% لي مقابل العمل (20% من الأصول)
2-يصرف لي راتب شهري معين، ويسجل على مصاريف المصنع، ويصرف له أيضا راتب رمزي.
كافة المصاريف المتعلقة بالتشغيل والتأسيس تسجل كمصاريف على المصنع، وبعد ذلك توزع الأرباح.
بدأنا العمل ولم يكتب لنا التوفيق بنفس رأس المال المتفق عليه، واحتجنا إلى رفع رأس المال، وسداد الديون، وبعد العديد من المناقشات اتفقنا على ما يلي:
1-يضاعف هو رأس المال، وبه يتم سداد جزء من الديون، والباقي لزيادة المكائن، وتحسين الإنتاج بحيث يستطيع المصنع سداد ديونه من نفسه.
2-ترتفع نسبته إلى 90 % من الأرباح و95% من الأصول، وتنخفض نسبتي إلى 10% من الأرباح و5% من الأصول على أن يكون لي الحق في شراء ال 5% المتبقية من أرباحي فيما بعد (وإن كنت قبلت بذلك قسرا لعدم وجود حلول أخرى، حيث إنني كنت أرى أن زيادته لرأس المال بالضعف ستنقص حقي إلى 10% من الأصول وليس كما فرضوا علي)
3-تبقى الرواتب على ما هي عليه.
ولم يكتب لنا التوفيق مرة أخرى، فقد اضطررنا إلى استخدم الجزء الأكبر من رأس المال المضاف في سداد الديون، ولم يبق الكثير للعمل به فاقترح أن تتم تصفية المصنع، وأن نعود للعمل في المؤسسة التجارية فقط على النسب الأخيرة التي تم الاتفاق عليها.
وفي خلال فترة الإغلاق بدأت أبحث عن مشروعية ما بيننا، فوجدت أن أقرب شيء لشراكتنا هو شركة المضاربة، وأنه:
1-لا يجوز لي أو له أن نتقاضى رواتبا من العمل، وأن علينا أن ننتظر إلى توزيع الأرباح.
2-لا يحق لي أن أشارك في الأصول مقابل عملي.
3-لا يجوز له تسجيل أي خسائر علي من المصنع.
والسؤال هنا:
1-هل العقد المبرم بيننا في الحالة الأولى وهي: التمويل المسترد مقابل حصة من الأرباح/الخسائر مع وجود راتب لكل منا. جائز؟
2-هل العقد المبرم بيننا في حالة فتح المصنع وهو: الشراكة بالأصول مع عدم وجود أي مشاركة من قبلي برأس المال، ووجود راتب لكل منا.
جائز؟
3-في حال كان أي من العقدين أو كلاهما غير جائز: ما هو المطلوب من كل منا حتى يكون عقدنا حلالا، ويكون رزق كل منا حلالا؟
4-وما هي الطريقة الأفضل لعقد الشراكة بيننا بحيث يكون منه رأس المال، ومني العمل مع وجود موظفين في المؤسسة؟
5-هل يجوز لي اشتراط راتب شهري على أن يخصم من أرباحي في نهاية العام، وإن لم تكف الأرباح لسداده يسجل كسلفة علي تخصم من السنة التي بعدها؟
وفي النهاية أشكر لكم حلمكم، وقراءة سؤالي إلى آخره. وأتمنى منكم الرد السريع، والمفصل حتى لا نقع في الشبهات، أو في الحرام لا قدر الله.
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبحثك عن مشروعية العمل، والسؤال عنه، ينبغي أن يكون قبل الشروع فيه لا بعده. أما وقد كان ما كان، فتكييف المعاملة الأولى التي تمت بينكما، تعتبر مضاربة؛ لأن رأس المال منه، والعمل منك.

قال الخرقي ذاكرا أنواع الشركات الجائزة: وإن اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدنان بمال غيرهما، أو بدن ومال، أو مالان، وبدن صاحب أحدهما، أو بدنان بماليهما، تساوى المال أو اختلف، فكل ذلك جائز. انتهى.

لكن ضمانك لرأس المال، أو جزء من الخسارة، يفسد عقد المضاربة، وقد ذكرت أن صاحب رأس المال إنما يتحمل نسبة 35% من الخسارة، وإذا فسدت المضاربة فلرب المال جميع المال، وله الربح كله في حالة حصول ربح، وعليه الخسارة كلها في حالة حصولها، وللمضارب أجرة مثله مطلقا.

قال في المغني: الربح جميعه لرب المال؛ لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط، فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئاً، ولكن له أجر مثله.

وقيل له ربح مثله. وراجع للمزيد من التفصيل الفتوى رقم: 47590.

كما تفسد أيضا بالاتفاق على أن يكون لرب المال راتب شهري منها، أو للعامل؛ لأن ذلك يعتبر ربحا مضمونا.

جاء في المغني لابن قدامة وهو من أئمة الحنابلة: ولا يجوز أن يجعل لأحدٍ من الشركاء فضل دراهم، وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يشترط لنفسه جزءاً وعشرة دراهم، بطلت الشركة.

قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدُهُما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. انتهى.

لكن لو تم الاتفاق على أن لكل منكما نسبة مئوية من الأرباح ليس له غيرها، فلا مانع بعد ذلك أن تتفقا مع ذلك على مبلغ شهري ثابت لأحدكما تحت الحساب من ربحه بحيث تتقاصان عند نهاية الدورة المالية، وقسمة الأرباح. كما بيناه في الفتويين: 50252 ، 80353 وإذا كان هذا هو المقصود في الفقرة الخامسة من السؤال، فلا حرج فيه.

وعلى كل، فمن أهم الشروط الشرعية لعقد المضاربة ما يلي:

أولا: أن يكون لكل من رب المال والمضارب نسبة مشاعة من الربح حسبما يتفقان عليه، وليس لأحد منهما أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من الربح. واشتراط راتب للعامل، أو لرب المال أو نحوه، ينافي ذلك. ما عدا الصورة التي ذكرناها وهي: ما لو كان ما يؤخذ كراتب، إنما يؤخذ تحت الحساب من ربح الآخذ، وفق ما بينا.

ثانيا: عدم ضمان رأس مال المضاربة؛ لأنها شراكة بينهما. فرب المال مشارك بماله، والعامل مشارك ـ بمجهوده ـ فإذا حصلت خسارة في رأس المال يتحملها رب المال فقط. كما أن العامل يتحمل خسارة مجهوده.
وهذا فيما إذا لم يحصل من العامل تقصير ولا تفريط، ولا إهمال، ولا إخلال بما اشترطه رب المال من أن لا يسافر بالمال مثلاً، أو أن لا يضارب إلا في كذا، وفي مكان كذا. فإن حصل شيء من ذلك من العامل، ضمن العامل لرب المال الضرر الذي لحقه جراء ذلك.
فإن لم يحصل منه تفريط، ولا تقصير، ولا إهمال، ولا إخلال بما اشترط، فلا ضمان عليه؛ لأنه شريك، كما تقدمت الإشارة إليه؛ ولأن التجارة مبناها على الربح والخسارة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني