الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين الحرابة والزنا والسرقة وغيرهما من أعمال الفساد

السؤال

في قوله تعالى:" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا " إلى آخر الآية.
من هم المقصودون بـ: (ويسعون في الأرض فسادا)؟ أليست السرقة، والزنا وكل هذه الأمور من الفساد. فلماذا لا يدخلون في هذه الآية؟ وما هو الفساد المقصود؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فإن المقصود بالمحارب، الذي يقام عليه حد الحرابة، هو من يخرج على الناس بالسلاح، ويعتدي على أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم، وراجع في بيان شروط الحرابة الفتوي رقم: 97897، والفتوى رقم: 104504. وراجع في تفسير آية الحرابة الفتوى رقم: 13010.

ولا شك أن جميع أعمال التخريب، والتعدي، والظلم، والمعاصي، من الإفساد في الأرض المنهي عنه، فقد قال الله تعالى في حق المنافقين: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {البقرة: 11}. وقال: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ {هود: 116}. وقال: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. {القصص: 77}. وقال الله عز وجل: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا {الأعراف: 56}.

قال ابن كثير: ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد، فنهى الله تعالى عن ذلك. اهـ.

وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير، وهو يعدد مراتب إفساد المنافقين: الثالث: إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة، والعداوة، وتسعير الفتن، وتأليب الأحزاب على المسلمين، وإحداث العقبات في طريق المصلحين. والإفساد فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجعل، أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض، والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به، أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملا على مضرة، وإن لم يكن فيه نفع من قبل، يقال: فسد الشيء بعد أن كان صالحا، ويقال: فاسد إذا وجد فاسدا من أول وهلة، وكذلك يقال: أفسد إذا عمد إلى شيء صالح، فأزال صلاحه، ويقال: أفسد إذا أوجد فسادا من أول الأمر، والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين، وليس من الوضع المشترك، فليس إطلاقه عليهما كما هنا، من قبيل استعمال المشترك في معنييه، فالإفساد في الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة، كالغش في الأطعمة، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحرق، والقتل للبراء، ومنه إفساد الأنظمة كالفتن والجور، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل، وتعليم الدعارة، وتحسين الكفر، ومناوأة الصالحين المصلحين، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حذف متعلق تفسدوا، تأكيدا للعموم المستفاد من وقوع في حيز النفي، وذكر المحل الذي أفسدوا ما يحتوي عليه ـ وهو الأرض ـ لتفظيع فسادهم، بأنه مبثوث في هذه الأرض؛ لأن وقوعه في رقعة منها، تشويه لمجموعها، والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية، بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس، والحيوان، والنبات، وسائر الأنظمة، والنواميس التي وضعها الله تعالى لها، ونظيره قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد {البقرة: 200}. انتهى.

فالإفساد صوره كثيرة، لكن لا يكون حرابة إلا بالشروط المشار إليها.

وأما الزنا: فحده الرجم للمحصن، والجلد للبكر، وأما السرقة فحدها قطع اليد.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني