الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الواجب على العاميّ عند اختلاف المفتين

السؤال

أحاول أن أتحرى الحلال والحرام في معاملاتي، وأبحث عن أجوبة أسئلتي من موقعكم، أو موقع إسلام سؤال وجواب، أو إسلام واي، أو موقع ابن باز، أو من خلال دار الإفتاء المصرية؛ لأني لم أدرس الفقه.
عندي لَبس شديد بسبب تضارب الفتاوى، يجعلني غير قادرة على معرفة الصحيح منها من غيره، ومعرفة المتشدد من المتساهل، ففقد بحثت مثلًا عن زيارة النساء للقبور، فوجدت من يحرّمها ويجعلها من الكبائر، ومن يبيحها ويجعلها مستحبة.
وكنت أعرف أن لبس الثوب المرسوم عليه ذوات الأرواح محرم، ولكني وجدت هذه الفتوى: (328795) على موقعكم تبيح لي أن أهدي الملابس التي عندي، والتي عليها ذوات أروح لغيري ليلبسها بدل أن أتلفها، لكن أوليس لبسها محرمًا؟ وإذا كان يصح أن ينتفع بها غيري، فأنا أولى بلبسها.
ولبس الدبلة تبيحه دار الإفتاء؛ بشرط أن لا يكون في اعتقادي أن لبسها يؤثر على الزواج، وغيرها يحرّم لبس الدبلة.
ودار الإفتاء تبيح الاحتفال بالمولد النبوي وعيد الأم، والباقي يقولون: بدعة منكرة.
بالإضافة إلى فتاوى أخرى كثيرة منها ما هو من صميم العبادة، ومنها ما هو من الفرعيات، فماذا أفعل؟ فقد وجدت نفسي أحرّم أشياء كثيرة، ثم أجد فتاوى تبيحها.
آسفة على الإطالة، لكني فعلًا محتارة جدًّا، وأرجو مسامحتي على جهلي.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فاختلاف الأفهام سنة ماضية، والخلاف بين أهل العلم -ولا سيما في فروع الفقه- حقيقة واقعة، ومثل هذا لا يُستغرب عقلًا، ولا يُستنكر شرعًا، وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79]، قال السعدي في تفسيره: تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلًا، فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود -عليه السلام- بأن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ نظرًا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة.

وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث، فينتفع بدرها وصوفها، ويقومون على بستان صاحب الحرث؛ حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه، وفطنته -عليه السلام-؛ ولهذا قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، أي: فهمناه هذه القضية، ولا يدل ذلك أن داود لم يفهمه الله في غيرها؛ ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله: {وَكُلا} من داود وسليمان {آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب، وقد يخطئ ذلك، وليس بملوم إذا أخطأ مع بذل اجتهاده. اهـ.

وراجعي في بيان أنواع الاختلاف والموقف من كل نوع الفتوى: 350746 وما أحيل عليه فيها.

وراجعي في بيان أسباب هذا الخلاف وحكمته الفتويين: 6787، 26350.

والعامي إذا اختلف عليه المفتون الثقات، فإنه يقلّد الأعلم والأوثق في نفسه من أهل العلم، بحسب ما يظهر له، فإذا تساووا عنده، ولم يستطع الترجيح بينهم، فالعمل بالأحوط هو الأفضل، وإلا فله أن يتخير من أقوالهم ما شاء، وراجعي في ذلك الفتاوى: 338257، 360223، 169801.

والفتوى التي ذكرتها السائلة (ورقمها: 328795) مثال على ذلك! فقد جرى فيها ذكر الخلاف وإثباته، ثم الترجيح، مع الإشارة لموقف العامي من هذا الخلاف.

حيث جاء فيها أولًا: ترجيح القول بحرمة لبس الملابس التي عليها صور لذوات الأرواح، ثم النص على أن هذا الترجيح لا ينفي وجود الخلاف المعتبر في المسألة، وأن جمهور أهل العلم يكرهون لبس هذه الثياب، ولا يحكمون بحرمتها.

ثم جاء في آخرها التنبيه على أن أهل السائلة إن كانوا يعتمدون على مذهب الجمهور في استعمال مثل هذه الملابس، أو إهدائها، أو هبتها لمن يستعملها، فلا حرج عليهم في ذلك.

وإذا كان الأمر كذلك، وتبينت السائلة من المراد، أدركت خطأها في قولها: إن هذه الفتوى تبيح إهداء هذه الملابس.

فليس الأمر كذلك، بل فيها ترجيح الحرمة، مع ذكر قول الجمهور بالكراهة، والإشارة إلى أن العامي الذي يعمل بقول الجمهور لا حرج عليه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني