الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام العمل في نشر الجرائم الأخلاقية وأحوال الفاسقات في الصحف

السؤال

أعمل صحفيًا، وننشر أخبارًا تتعلق بالجرائم وتكون بعضها شاذة مثل أب اغتصب ابنته، أو خال اغتصب ابنة أخته، أو طفل مراهق اغتصب ابنة أخيه أو ابنة عمه وهكذا، وتكون بالتفاصيل وكأنها قصة: كيف فعل المجرم جريمته.
أشعر أن هذه الأخبار تخدش حياء المراهقين، وتخلق في العقل الباطن لدى العامة من الأطفال المراهقين فكرة تكرار هذه الجريمة.
فهل نشر هذه الأخبار حرام؟
ثم ننشر أيضًا أخبارا عن بعض الفاسقات وملابسهن، وهناك بعض الأخبار يظهرن فيها بصور عارية.
فهل نشر هذه الأخبار حرام؟
أرجو الإفادة.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأما نشر ما ذكرت من الجرائم في الصحف، وإشاعة ذلك في الناس على وجه يهون المعصية عليهم ويوهم فساد المجتمع وانحلال عُرى الأخلاق؛ فهو مصادم لمقاصد الإسلام العظمى والتي منها أن الأصل الستر على العصاة؛ إلا أن تدعو لهتك سترهم حاجة، وأن حب إشاعة الفاحشة في المؤمنين مما يؤاخذ به العبد، فكيف بالسعي في إشاعتها بنشر أخبارها وتفاصيلها، وقد يكون كثير من ذلك كذبا وتلفيقا.

قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {النور: 19}.

نعم إذا اشتهرت الجريمة كان نشر عقوبتها الشرعية وبيانها للناس، وبيان ما حل بالمجرم من عقاب أمرا مشروعا؛ ليرتدع الناس وينزجروا عن مثل هذا الفعل كما أمر الله في حد الزناة بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {النور: 2}.

قال الألوسي: أي ليحضر زيادة في التنكيل، فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب، أو لذلك وللعبرة والموعظة. انتهى.

والحاصل أن المعلوم من حال تلك الصفحات التي تنشر الحوادث هو أنها تنشر ما يهيج الغرائز ويثير الفضول لتتبع التفاصيل التي يخدش أكثرها الحياء، وأن لذلك النشر آثارا سيئة كثيرة من تهوين المعصية على الناس، وتشكيل رأي عام يتقبل مثل هذا النوع من الجرائم ولا يشمئز منه بكثرة الإلحاح على عرض وتكرار مثل تلك الجرائم عياذا بالله.

ومن ثم؛ فلا نرى جواز العمل في نشر تلك الجرائم على هذا الوجه، وإنما تنشر عقوبات ما ظهر وشاع من تلك الجرائم؛ ليرتدع الناس وينزجروا.

وأما ذكر تفاصيل أحوال الفاسقات المتلبسات بمعصية الله -تعالى- العظيمة من التبرج وإشاعة الفاحشة في المؤمنين، ونشر صورهن العارية وتفاصيل ثيابهن على وجه يثير الغرائز إلى آخر ما ذكرته؛ فأمر منكر مذموم، وفاعله ممن يشيع الفاحشة في الذين آمنوا عياذا بالله، وفيه من تهوين معصيتهن بل جعلهن نجمات يقتدي بهن الجيل ما لا يخفى، نسأل الله السلامة.

ومن ثم فعليك أن تترك هذا العمل، ومجالات الصحافة النافعة من كتابة ما يصلح أحوال الناس ويعينهم بتوجيههم للأخلاق الفاضلة والآداب السامية والسلوكيات الطيبة، كل ذلك كثير يمكن تعاطيه، وفيه غنية عن أمثال هذه المجالات المضرة بالمؤمنين، وعموم المجتمع.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني