الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السعي في الإصلاح بين الوالدين من أعظم أبواب البر

السؤال

أنا فتاة لدي أختان وأخ. تعاني أمي من خلافات مع أبي وأهله منذ زواجهما قبل أربعين عامًا، وما زالت هذه الخلافات قائمة. ومن أسبابها قلة موارد أبي المالية، واستحواذ عمي على زراعة الأرض مقابل إيجار يدفعه لأبي لا يرضون عنه، لكنهم يقبلونه لعدم قدرة أبي على زراعة الأرض، وعدم وجود مستأجرين آخرين يستطيعون العمل فيها مع وجود عمي.
كما أن لدى أمي مشكلات بسبب ما تراه من قلة حفاوة عماتي وجدتي بها عندما كانت تزورهم، وتقول إنهم "طردوها أو كادوا يطردونها" أكثر من مرة. وأنا لم أشهد ذلك، لكن أبي غالبًا ما يسكت أو يدافع عنهم دفاعًا يسيرًا عندما تذكر هذا الأمر. وأعرف أن طبعهم يميل إلى قلة الترحيب وإظهار الحفاوة، بخلاف طبع أمي في الضيافة.
والداي الآن قد تجاوزا الستين والسبعين من العمر، والخلافات بينهما لا تكاد تنقطع، إما بسبب هذه الأمور، أو بسبب أسباب أخرى تتعلق بقلة إنفاق أبي على البيت، وتقديمه أحيانًا الإنفاق على السيارة على احتياجات الأسرة، حتى إنه قد ينفق أكثر من نصف راتبه عليها في بعض الشهور. كما أنه يعاني مرضًا في الكبد، ويصاب بنوبات من اضطراب ثنائي القطب، وقد عانت أمي كثيرًا طوال سنوات الزواج، بحسب ما شهدناه. مع العلم أن كلا والديَّ لديه إرث، وقد ساعدت أمي في الإنفاق كثيرًا، وأشهد بذلك، لكنها وصلت الآن إلى حالة من الضيق الشديد.
سؤالي الأول: إذا وقع نزاع بينهما، فهل أكون عاقة إذا لزمت غرفتي ولم أتدخل، خصوصًا أن تدخلي غالبًا يزيد الأمر سوءًا؟ وأحيانًا أضع سماعات في أذني، وأستمع إلى القرآن أو إلى شيء آخر حتى أُخفف عن نفسي. علمًا بأن أمي دائمًا تريد مني أن أؤيدها، بينما أرى أن كلا الطرفين يخطئ في حق الآخر، وليس بيدي ما أصلح به الأمر.
السؤال الثاني: إذا احتاجت أمي إلى السفر إلى بلدها لمتابعة بعض المشكلات المتعلقة بأرضها أو وقت الحصاد، وكان أبي مريضًا أو على خلاف معها، فسافرتُ معها خوفًا على صحتها، خاصة أن أخي لا يستطيع السفر معها لانشغاله بعمله وأسرته، فهل يلحقني إثم بسبب عدم وجود محرم؟ وهل من نصيحة تعينني على اجتياز هذا الابتلاء والفوز في الدنيا والآخرة؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإنا ننصحك بالحرص على بر الوالدين، والإحسان إليهما، فقد قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: 36]. وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23-24]. وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 14-15].

وعليك بالسعي في الإصلاح بينهما، فقد قال الله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114]. وقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10]. وقال: فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: 1].

وجاء في الحديث: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن تحلق الدين. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.

وواظبي على الدعاء لهما، فقد قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60].

وروى الإمام مسلم من حديث أم الدرداء -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل.

وإذا تعارض بر الوالدين، وكان أحدهما مخطئًا؛ فلا يجوز الوقوف مع المخطئ؛ لأن الطاعة للوالد مقيدة بالمعروف، فقد روى مسلم عن علي -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف.

وأما عن سفرها وسفرك معها؛ فالأصل منع سفر المرأة بغير محرم إلا لضرورة، وذهب بعض العلماء إلى جواز سفر المرأة مع رفقة مأمونة، فإذا كان سفرك مع والدتك مأمونا؛ فلا بأس.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب