الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جواز الجمع بين الصلاتين بسبب أعراض إجراء التحاليل الطبية

السؤال

هل هناك من الأحاديث الصحيحة ما يدل على قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمعًا فعليًا لا صوريًا؟ وهل يمكن الاستدلال بهذا الحديث على الجمع للحاجة، كمرض أو حاجة تعارضت مع وقت الصلاة، كتلقي العلاج؟
أريد إجراء تحليل يسمى: "تحليل فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة"، وهذا التحليل يُعطى فيه المريض محلولًا سكريًا ليشربه، والذي قد يسبب له بسبب البكتيريا الموجودة لديه إسهالًا ومغصًا وغازات، وربما تمتد هذه الأعراض لساعات بعد شربه، أو ربما ليوم كامل.
فما حكم الصلاة في هذه الحالة؟ وهل يجوز له الجمع؟ وماذا لو منعته هذه الأعراض من الصلاة حتى بعد تأخير الصلاة إلى وقت التي تليها، كالجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء؟ أم عليه ألا يقوم بهذا التحليل أصلًا ويتعايش مع حالته رغم صعوبتها؟
أنا شخصية قلقة للغاية، فأريد أن أكون على قدر من اليقين بأن قيامي بالجمع -إن كان جائزًا- لا يتضمن مخالفة شرعية.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر.

وفي رواية: من غير خوف ولا سفر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الحديث، فذهب بعض العلماء إلى أنه كان جمعًا صوريًا، أي: تأخير الأولى لآخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها.

قال ابن حجر في التلخيص: وأجاب أبو حامد عن هذا الجمع: بأنه جمع صوري، وهو أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية عقبها في أول وقتها، وهذا قد جاء صريحا في الصحيحين عن عمرو بن دينار قال: قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخّر الظهر، وعجّل العصر، وأخّر المغرب، وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. اهـ. وراجع الفتوى: 232177.

ورجّح جمع من المحققين أن الجمع كان جمعًا حقيقيًا فعليًا؛ للمرض أو للحاجة.

قال النووي في شرح مسلم: ومنهم من قال هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي، والمتولي، والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث؛ ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة؛ ولأن المشقة فيه أشد من المطر.
وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال، والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره. اهـ.

وعليه؛ فيجوز لك الجمع (بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير) بحسب الأرفق بحالتك وصحتك؛ لدفع مشقة الإسهال الحاد، والغازات المتكررة، وانشغالك بالاستبراء والوضوء لكل صلاة.

والتداوي، وإجراء الفحوصات الطبية لمعرفة المرض وعلاجه؛ أمرٌ مشروع، ولا يلزمك الامتناع عن التحليل أو تحمل المرض الشديد، فالشريعة مبنية على التيسير، وحفظ النفس، ودفع الضرر، وقد قال الله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: 6].

وإذا شربت المحلول؛ فإنك تنتظر وقتًا يخف فيه العارض وتصلي، فإن استمرت الأعراض طوال وقت الصلاتين المشتركتين ولم ينقطع حتى ضاق الوقت؛ فإن حكمك حينئذ حكم أصحاب الأعذار الدائمة، كمن به سلس بول، أو استطلاق بطن، فيكفيك أن تتطهر، وتتوضأ، وتصلي الصلاتين مجموعتين، ولا يضرك ما يخرج منك أثناء الصلاة، أو بين الصلاتين من غازات أو إسهال، وصلاتك صحيحة إن شاء الله.

قال البهوتي في كشاف القناع في بيان الأحوال المبيحة للجمع بين الصلاتين: والحال السادسة: لمستحاضة ونحوها، كصاحب سلس بول، أو مذي، أو رعاف دائم، ونحوه، لما جاء في حديث حمنة حين استفتت النبي -صلى الله عليه وسلم- في الاستحاضة، حيث قال فيه: فإن، قويتِ على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه، ومن به سلس البول ونحوه في معناها. اهـ.

وراجع الفتويين: 356068، 108086.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب