الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الإجارة من الباطن، ومن يتحمل الضمان عند التلف: الصانع أم المقاول؟

السؤال

قام أحد الفنيين بالاتفاق مع صاحب عمل على إنجاز مهمة تغليف ألواح سيراميك بسعر محدد، ثم أحال جزءًا من هذا العمل إلى صانع آخر للقيام به بسعر أقل من السعر الأصلي بحوالي 20% تقريبًا أو أكثر قليلًا، على أن يكون فارق السعر له مقابل الإشراف والمسؤولية.
وأثناء قيام الصانع بالعمل، تسبب في تلف لوحتين من السيراميك أثناء عملية القص والتغليف مباشرة. وقد أفاد الصانع بأن التلف لم يكن بسبب إهمال أو تفريط منه، بل بسبب طبيعة العمل الفنية وحساسية المادة. مع العلم أنه لم يثبت وجود أي عيب مصنعي في ألواح السيراميك قبل العمل، كما لم يثبت وجود شرط واضح مسبق بين الطرفين.
وبناءً على ما سبق؛ حدث خلاف بينهما حول من يقع عليه ضمان اللوحتين التالفتين وتحمُّل قيمتهما: هل يتحمل المقاول الأصلي ذلك؛ لكونه المستفيد من فارق السعر؟ أم يضمنهما الصانع؛ لأنه المتسبب في تلفهما؟ وهل يجوز في مثل هذه الأعمال أن يشترط الصانع الذي يعمل من الباطن ألّا يتحمل شيئًا من التلف إن حدث؟ وكذلك هل يجوز للفني الأصلي أن يشترط ذلك على أصحاب العمل (الشركات المقاولة)؟ مع العلم أن ثمن لوحة السيراميك الواحدة يصل إلى حوالي 600 دولار.
وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن ما قام به هذا الفني من الاتفاق مع صانع آخر، لتنفيذ هذه المهمة؛ يسمى بالإجارة من الباطن، وهي جائزة إن لم يشترط صاحب العمل على الفني الأصلي مباشرة العمل بنفسه، ولم تكن شخصيته محل اعتبار عند رب المال، فإذا توفر ذلك؛ فلا حرج عليه في الاستعانة بفني آخر.

جاء في كشاف القناع للبهوتي: وإذا تقبل الأجير عملًا في ذمته بأجرة -كخياطة، أو غيرها-، فلا بأس أن يقبله غيره بأقل منها أي: من أجرته. اهـ.

وجاء في الهداية: وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه، فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه العمل في محل بعينه؛ فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه، وإن أطلق له العمل؛ فله أن يستأجر من يعمله؛ لأن المستحق عمل في ذمته، ويمكن إيفاؤه بنفسه، وبالاستعانة بغيره بمنزلة إيفاء الدين. اهـ.

وأما الجواب عما حصل بينهما من الخلاف حول من يقع عليه الضمان؛ فالفصل في مسائل النزاع والحقوق المشتركة، مَرَدُّهُ إلى المحاكم الشرعية، أو من ينوب منابها، وذلك؛ لأنها الأقدر على السماع من أطراف النزاع، وإدراك حقيقة الدعاوى والبينات والدُّفُوع، ثم إصدار الحكم المؤسس على ذلك.

ولكن المعروف عند الفقهاء أن الأجير المشترك المباشر للعمل يضمن ما تلف عنده، عند الجمهور.

جاء في الموسوعة الفقهية: اتفق الفقهاء على أن الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدٍّ، أو تفريط جسيم: يضمن.
أما إذا تلف بغير هذين؛ ففيه تفصيل في المذاهب: فالصاحبان (أبو يوسف، ومحمد)، والحنابلة، اعتبروا التلف بفعله، سواء كان عن قصد، أو غير قصد، أو بتقصير، أو دونه، موجبًا للضمان، تابعوا في ذلك عمر وعليًا؛ حفظًا لأموال الناس، ومثل ذلك إذا كان التلف بغير فعله، وكان من الممكن دفعه -كالسرقة العادية، والحريق العادي-. وإلى هذا ذهب بعض متأخري المالكية، وهو قول للشافعية.
ومتقدمو المالكية، وزفر ذهبوا إلى عدم التضمين، وهو قول للشافعية أيضًا. اهـ.

ومحل هذا إن كان للصانع محل يعمل به، وأما إذا عمل الصانع في محل الفني فيعتبر أجيرا خاصا، والأجير الخاص لا يضمن ما تلف تحت يده إلا في حالة التفريط أو التعدي، لأن ما تحت يده أمانة، ولا ضمان على مؤتمن إلا بتعد أو تفريط.

قال صاحب فتح القدير: ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده، ولا ما تلف من عمله. اهـ.

وقال شهاب الدين الحموي في غمز عيون البصائر: إذَا سَلَّمَ الرَّجُلُ ثوبًا إلَى الْقَصَّارِ بأجر مسمى، فدفعه إلى أجيره، فَدَقَّهُ، فَتَخَرَّقَ؛ فالضمان على القصار دون الأجير؛ لأن أجير القصار أجير واحد؛ لأنه يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، وأجير الواحد لا يضمن مَا جَنَتْ يده إلا أن يخالف، وإنما كان الضمان على القصار؛ لأن عمل الأجير منقول إليه؛ لأنه عمل بإذنه، كذا في الْوَلْوَالِجيَّةِ. اهـ.

وقال الدردير في الشرح الكبير: (وأجير) لصانع لا ضمان عليه، كأن يعمل بحضرة صانعه أم لا (كسمسار) بالسلع في الأسواق لا ضمان عليه (إن ظهر خيره) أي: أمانته (على الأظهر)، وإلا ضمن. اهـ.

وقال عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل: (و) لا ضمان على (أجير لصانع) كخياط، وحياك، وصائغ، وصباغ، وقصار. فيها يضمن القصار ما أفسده أجيره، ولا شيء على الأجير، إلا أن يتعدى، أو يفرّط. اهـ.

وقال البهوتي في كشاف القناع: إذا تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب، ودفعه إلى أجيره، فخرقه، أو أفسده بلا تعدٍّ، ولا تفريط؛ لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص، ويضمنه صاحب الدكان لمالكه؛ لأنه أجير مشترك. اهـ.

والخلاصة؛ أن هذا النوع من المسائل إن لم يتصالح طرفاه على حله فيما بينهم؛ فلا يرفع الخلاف فيه، ولا يقطع النزاع إلا القاضي الشرعي.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب