الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضوابط تعبير الرؤيا، وهل يجوز تعبيرها بالذكاء الاصطناعي؟

السؤال

أنا مبرمج، صممت وبرمجت لعميل موقعًا لتفسير الرؤى، وربطته بالذكاء الاصطناعي عبر منصة أملكها، وأتقاضى أجرة على عملي. وطريقة عمله حاليًا:
يكتب الزائر رؤياه مع جنسه وعمره، ويدفع 49 ريالًا غير مستردة.
يتولى برنامج ذكاء اصطناعي كتابة التفسير، ويصل إلى صاحب الرؤيا مباشرة دون أن يراجعه أي مفسر.
يُعطى للبرنامج تعليمات، منها: أن يفسر وفق القرآن والسنة وأصول التعبير عند أهل العلم، كابن سيرين، والنابلسي، وأن يراعي حال الرائي، وأن يجعل التفسير اجتهادًا لا يُجزم به، وألا يقطع بأمر غيبي، أو بموت، أو مرض، أو طلاق، وألا يذكر حديثًا إلا إذا كان متيقنًا من صحته، وألا يفتي، وأن يذكر آداب الرؤيا المكروهة الواردة في السنة.
ومن التعليمات أيضًا: ألا يذكر أنه برنامج، كما أن الموقع لا يبين أن التفسير يتم بواسطة الذكاء الاصطناعي إلا في صفحة الشروط، بينما تتضمن نصوصه عبارات تفيد بأن «مفسرًا متخصصًا» يقرأ الرؤيا.
وأسئلتي هي:
ما حكم تفسير الرؤى بالذكاء الاصطناعي أصلًا؟
وما حكم أخذ المال مقابل هذا التفسير؟
وما حكم الاكتفاء بذكر ذلك في الشروط، مع طلب عدم إخبار المستخدم بأن التفسير صادر عن برنامج؟
وما حكم عملي في برمجة الموقع وتشغيل المنصة، والأجرة التي أخذتها؟ وإن كان في ذلك ما لا يجوز، فما الذي يلزمني تغييره أو اشتراطه على العميل؟
وما حكم ما أخذته من مال؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالأصل جواز استعمال الذكاء الاصطناعي في الأمور المباحة، ومن ذلك: الاستعانة به في اقتراح تعبيرات للرؤى، لكن لا ينبغي الاعتماد عليه وحده في تعبيرها، وإرسال تفسيراته إلى أصحابها دون مراجعة مختص مؤهل؛ لأن تعبير الرؤى يحتاج إلى علم وخبرة وفراسة، ومعرفة بأحوال الرائي وما يناسب حاله، ولا يكفي فيه مجرد معرفة جنس الرائي وعمره، أو وضع تعليمات للبرنامج بأن يفسر وفق القرآن والسنة وأقوال أهل العلم.

وقد حذّر من الخوض في تعبير الرؤى بغير علم كثير من أهل العلم قديمًا وحديثًا.

فقد قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ: ولا يُعَبِّرُ الرؤيا إلا من يُحْسِنُهَا، وأما من لا يعلم ذلك ولا يحسنها فليترك، وسُئل مالك عن رجل يُعَبِّرُ الرؤيا لكل أحد قال: أَبِالنُّبُوَّةِ يلعب؟ قيل له: أَفَيُعَبِّرُهَا على الخير وهي عنده على الشر، لقول من قال: إن الرؤيا على مَا أُوِّلَتْ؟ فقال: لا، إن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، أَفَيَتَلَاعَبُ بأمر من أمور النبوة. اهـ.

وجاء في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفراوي: يحرم (أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها)؛ لأنه يكون من الكذب؛ لأن الإخبار من غير العالم كذب، قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36]، ومفهوم كلامه أنه إن كان له علم بها بأن كان يعلم أصول التعبير، وهو الكتاب، والسنة، وكلام العرب، وأشعارهم، وأمثالهم، وكان له فضل، وصلاح، وفراسة؛ يجوز له حينئذ تعبيرها، ولا يجوز له تعبيرها بمجرد النظر في كتاب التفسير، كما يفعله بعض الجهلة، يكشف نحو ابن سيرين عندما يقال له: أنا رأيت كذا، والحال أنه لا علم له بأصول التعبير؛ فهذا حرام، لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وأوصاف الرائين، فعلمها غويص يحتاج إلى مزيد معرفة بالمناسبات، ولذلك؛ سأل رجل ابن سيرين بأن قال له: أنا رأيت نفسي أؤذن في النوم، فقال: له تسرق، وتُقطع يدك، وسأله آخر وقال له مثل ما قاله الأول، فقال له: تحج، فوجد كل منهما ما فسّر له به، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت هذا بسمة حسنة، والآخر بسمة قبيحة. اهـ.

وقال الشيخ السعدي في تيسير اللطيف المنان: علم التعبير داخل في الفتوى، فلا يحل لأحد أن يجزم بالتعبير قبل أن يعرف ذلك، كما ليس له أن يفتي في الأحكام بغير علم. اهـ.

وعليه؛ فلا يجوز تقديم هذه الخدمة بالصورة المذكورة، التي يعتمد فيها الموقع على الذكاء الاصطناعي وحده دون مراجعة مختص، لا سيما مع وصف الموقع بأن «مفسّرًا متخصصًا» يقرأ الرؤيا، مع أن التفسير يصدر آليًّا دون مراجعة مختص مؤهل؛ لما في ذلك من التدليس على العملاء.

وأما أخذ الأجرة على إدارة الموقع بهذه الصورة؛ فلا يجوز؛ لما تتضمنه الخدمة من محذور شرعي.

وأما أجرة برمجة الموقع نفسه، فلا يُحكم بتحريمها دون النظر في حقيقة العقد، وطبيعة العمل الذي نفذه المبرمج، ومدى علمه باستعمال الموقع في التدليس.

وأما ما أخذته من أجرة على إدارة الموقع، وكنت تظن أن العمل مباح، ثم تبيّن لك تحريمه؛ فلا يلزمك ردّ ما أنفقته، ولا التخلص مما بقي منه، لكن يجب عليك الكف عن العمل المحرّم بعد العلم به، وراجع الفتوى: 71711.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب