السؤال
قرأتُ في إحدى إجاباتكم أن أحدَ الثلاثة الذين لا ترتفع لهم صلاة: المرأةُ التي بات زوجُها غضبانَ عليها؛ حيث ذكرتم الحديث التالي:«ثلاثةٌ لا ترتفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخوان متصارعان».
وكما تعلمون، فحياتنا مليئة بالمشاحنات، وأحيانًا يكون الزوج مخطئًا بوضوح، بحيث يستحيل عليَّ أن أعتذر له وهو المخطئ في حقي؛ فكرامتي كإنسانة لا تسمح بذلك. فماذا أفعل في هذه الحال؟
وللعلم، فقد أكثرتُ من الاستسماح منه سواء أكنتُ المخطئة أم كان هو المخطئ، مما زاده تبجحًا وقلةَ احترامٍ لي، وهي النتيجة نفسها التي كنتُ أحصل عليها عند مصالحة شقيقاتي وهن المخطئات في حقي، لعلمي بحرمة القطيعة، وهو ما ذُكر في الحالة الثالثة لمن لا ترتفع لهم صلاة. فما الحل الأمثل للصلح مع المحافظة على ماء الوجه في حال كان الطرف الآخر هو المخطئ؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالوقاية خير من العلاج، فعلى المسلم أن يتصف بحسن الخلق في أقواله وأفعاله ومعاملاته مع الناس كافة، وخاصة مع أقاربه، وبصورة أخص مع الزوج. قال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83].
وليعلم أنه بحسن خلقه، وطيب معاشرته مع الآخرين، يكسب حبهم واحترامهم، ولا يحصل بينه وبينهم شيء من التشاحن والخصام.
ونذكر الأخت بما ورد في فضل حسن الخلق والترغيب فيه، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة. رواه الترمذي.
وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. رواه الترمذي، وأبو داود، وأحمد، والدارمي.
وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
وعلى المسلم الاتصاف بلين الجانب، والسهولة في التعامل مع الآخرين، وبخاصة مع الزوج والأقارب حتى يكون من أهل الجنة، ولا يكون من أهل الاستكبار والعتو والتجبر الذين هم أهل النار، والعياذ بالله.
ففي الصحيحين من حديث حارثة بن وهب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل جواظ مستكبر.
قال النووي -رحمه الله-: ضبطوا قوله متضعف بفتح العين وكسرها. المشهور الفتح، ولم يذكر الأكثرون غيره، ومعناه: يستضعفه الناس ويحتقرونه، ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا، يقال: تضعفه واستضعفه، وأما رواية الكسر فمعناها: متواضع متذلل خامل واضع من نفسه. انتهى.
أما العلاج في حال وقوع شيء من هذه المشاحنات، فهو أن تؤدي الذي عليك من حق تجاه المشاحن والمخاصم، سواء كان زوجًا، أو أخًا، أو غيرهما، بترك التشاحن والتدابر والهجر، والسعي للتصالح معه، فإن قمت بما عليك، ثم وجدت منهم جفاء وغلظة، فاحتسبي الأجر عند الله.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال عليه الصلاة والسلام: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. ومعنى (تسفهم المل) تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم، كما يلحقهم الألم في الرماد الحار، ولا تكوني داخلة في الحديث المذكور في السؤال.
والله أعلم.